اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٨٠
(ولا) شهادة (نائحة) في مصيبة غيرها بأجر، درر وفتح (ولا مغنية) ولو لنفسها لحرمة رفع صوتها، خصوصاً مع الغناء (ولا مدمن الشرب) لغير الخمر من الأشربة (على اللّهو) لحرمة ذلك. قيد بالإدمان ليكون ذلك ظاهراً منه، لأنه لا يخرج عن العدالة إلا إذا كان يظهر منه ذلك، وقيد باللّهو لأنه لو شرب للتداوي لا تسقط عدالته لشبهة الاختلاف كما في صدر الشريعة، وقيدنا بغير الخمر لأن شرب الخمر يسقط العدالة ولو قطرة ولو بغير لهو (ولا) شهادة (من يلعب بالطيور)، لأنه يورث غفلة، ولأنه قد يقف على عورات النساء بصعود سطحه ليطير طيره، وفي بعض النسخ "ولا من يلعب بالطنبور" وهو المغني، هداية. (ولا من يغني للناس)؛ لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة، هداية. وأما من يغني لنفسه لدفع وحشة فلا بأس به عند العامة، عناية، وصححه العيني وغيره (ولا من يأتي باباً من الكبائر التي يتعلق بها الحد) كالزنا والسرقة ونحوهما؛ لأنه يفسق (ولا من يدخل الحمام بغير إزار)؛ لأن كشف العورة حرام إذا رآه غيره (و) لا (من يأكل الربا) قال في الهداية: وشرط في الأصل أن يكون مشهوراً به؛ لأن الإنسان قلما ينجو من مباشرة العقود الفاسدة، وكل ذلك رباً. (و) لا (المقامر بالنرد) ويقال: النردشير، ويعرف الآن بالزهر (والشطرنج)؛ لأن كل ذلك من الكبائر. قال في صدر الشريعة: قيد المقامرة بالنرد وقع اتفاقاً، وفي الذخيرة: من يلعب بالنرد فهو مردود الشهادة على كل حال، اهـ. وفي القهستاني: لاعب النرد بلا قمار لم تقبل شهادته بلا خلاف، بخلاف لاعب الشطرنج؛ فإنه يقبل إلا إذا وجد واحد من ثلاثة: أي المقامرة، وفوت الصلاة، وبإكثار الحلف عليه بالكذب، اهـ؛ وزاد في الإشباه: أن يلعب به على الطريق؛ أو يذكر عليه فسقا.
(ولا) تقبل أيضاً شهادة (من يفعل الأفعال المستخفة) مما يخل بالمروءة (كالبول على الطريق، والأكل على الطريق)؛ لأنه تارك للمروءة، وإذا كان لا يستحي عن مثل ذلك لا يمتنع عن الكذب فيتهم، هداية. قال في الفتح: ومنه كشف عورته ليستنجي من جانب البركة والناس حضور؛ وقد كثر في زماننا، اهـ.
(ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف)؛ لظهور فسقه، بخلاف من يخفيه، لأنه فاسق مستور، عيني. قال في المنح: وإنما قيدنا بالسلف تبعاً لكلامهم. وإلا فالأولى أن يقال سب مسلم لسقوط العدالة بسب المسلم وإن لم يكن من السلف، كما في السراج والنهاية، اهـ.
(وتقبل شهادة أهل الأهواء): أي أصحاب بدع لا تكفر كجبر وقدر ورفض وخروج وتشبيه وتعطيل، وكل فرقة من هذه الفرق الستة اثنتا عشرة فرقة (إلا الخطابية) فرقة من الروافض يرون الشهادة لشيعتهم ولكل من حلف أنه محق. فردهم لا لبدعتهم بل لتهمة الكذب، ولم يبق لمذهبهم ذكر، بحر (وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض) إذا كانوا عدولا في دينهم، جوهرة؛ لأنهم من أهل الولاية على أنفسهم وأولادهم الصغار، فيكونون من أهل الشهادة على جنسهم (وإن اختلفت مللّهم) كاليهود والنصارى، قال في الهداية: لأن ملل الكفر وإن اختلفت فلا قهر، فلا يحملهم الغيظ على التقول، اهـ. (ولا تقبل شهادة الحربي) المستأمن (على الذمي)؛ لأنه لا ولاية له عليه، لأن الذمي من أهل ديارنا، وهو أعلى حالا منه، وتقبل شهادة الذمي عليه كشهادة المسلم عليه وعلى الذمي؛ وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا أهل دار واحدة، وتمامه في الهداية.
(وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات) يعني الصغائر، جوهرة (والرجل ممن يجتنب الكبائر) ويتباعد عنها (قبلت شهادته) قال في الجوهرة: هذا هو العدالة المعتبرة؛ إذ لابد من توقي الكبائر كلها، وبعد توقيها يعتبر الغالب: فمن كثرت معاصيه أثر ذلك في شهادته. ومن ندرت منه المعصية قبلت شهادته؛ لأن في اعتبار اجتنابه الكل سد باب الشهادة، وهو مفتوح إحياء للحقوق. اهـ. وفي الهداية والمجتبى ومختارات النوازل: هذا هو الصحيح في حد العدالة المعتبرة (وإن ألم بمعصية)؛ لأن كل واحد من سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يخلو من ارتكاب خطيئة، فلو وقفت الشهادة على من لا ذنب له أصلا لتعذر وجوده أصلا، فاعتبر الأغلب، وحاصله: أن من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة سقطت عدالته، كما في الجوهرة.