اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٧٨
(وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر عدالة) الشاهد (المسلم) ولا يسأل عنه، إلا إذا طعن فيه الخصم، لقوله عليه الصلاة والسلام: "المسلمون عدولٌ بعضهم على بعض، إلا محدوداً في قذف" ولأن الظاهر الانزجار عما هو محرم في دينه، وبالظاهر كفاية، إذ لا وصول إلى القطع، هداية (إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل) فيها (عن الشهود) وإن لم يطعن الخصم؛ لأنه يحتال لإسقاطها فيشترط الاستقصاء فيها، لأن الشبهة فيها دارثة (وإن طعن الخصم فيهم) أي الشهود (سأل) القاضي (عنهم)، لأنه تقابل الظاهران، فيسأل طلباً للترجيح، وهذا حيبث لم يعلم القاضي حالهم، أما إذا علمهم بجرح أو عدالة فلا يسأل عنهم، وتمامه في الملتقى (وقال أبو يوسف ومحمد: لابد) للقاضي من (أن يسأل عنهم في السر والعلانية) في سائر الحقوق، طعن الخصم فيهم أو لا، لأن الحكم إنما يجب بشهادة العدل، فوجب البحث عن العدالة، قال في الهداية: وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان، ومثله في الجواهر وشرح الإسبيجاني وشرح الزاهدي والينابيع، وقال الصدر الشهيد في الكبرى: والفتوى اليوم على قولهما، ومثله في شرح المنظومة للسديدي والحقائق وقاضيخان ومختار النوازل والاختيار والبرهاني وصدر الشريعة، وتمامه في التصحيح، وفي الهداية: ثم قيل: لابد أن يقول المعدل "هو عدل جائز الشهادة" لأن العبد قد يعدل، وقيل: يكتفي بقوله "هو عدل"، لأن الحرية ثابتة بأصل الدار، وهذا أصح.
(وما يتحمله الشاهد على ضربين):
(أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه) وذلك (مثل البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم) ونحو ذلك مما يسمع أو يرى (فإذا سمع ذلك الشاهد) وهو مما يعرف بالسماع، مثل البيع والإقرار (أو رآه) فعله، وهو مما يعرف بالرؤية، كالغصب والقتل (وسعه أن يشهد به، وإن لم يشهد عليه) أي يتحمل تلك الشهادة، لأنه علم ما هو الموجب بنفسه وهو الركن في الأداء (ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني)؛ لأنه كذب، قال في الهداية: ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد، ولو فسر القاضي لا يقبله؛ لأن النغمة تشبه النغمة، إلا إذا كان دخل البيت وعلم أنه ليس فيه أحد سواه ثم جلس على الباب وليس للبيت مسلك غيره فسمع إقرار الداخل ولا يراه، لأنه حصل العلم في هذه الصورة، اهـ.
(و) الثاني (منه ما لا يثبت حكمه بنفسه) وذلك (مثل الشهادة على الشهادة) لأنها غير موجبة بنفسها، وإنما تصير موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء، والنقل لابد له من تحمل؛ ليصير الفرع كالوكيل (فإذا سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجز أن يشهد على شهادته) لعدم الإنابة (إلا أن يشهده) على شهادته ويأمره بأدائها ليكون نائباً عنه (وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته) ويأمره بأدائها (لم يسع السامع) له (أن يشهد)، لأنه لم يحمله، وإنما حمل غيره.
(ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يذكر الشهادة)، لأن الخط يشبه الخط، فلم يحصل العلم، وهذا قول الإمام، وعليه مشى الأئمة الملتزمون للتصحيح، اهـ، وفي الدر: وجوز له لو في حوزه، وبه نأخذ. بحر عن الملتقى اهـ.
(ولا تقبل شهادة الأعمى)؛ لأن الأداء يفتقر إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه، ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة، والنغمة تشبه النغمة، ولو عمي بعد الأداء يمتنع القضاء عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن قيام الأهلية شرط وقت القضاء، لصيرورتها حجة عنده، وصار كما إذا خرس أو جن أو فسق، بخلاف ما إذا مات أو غاب؛ لأن الأهلية بالموت انتهت وبالغيبة ما بطلت كما في الهداية (ولا المملوك) لمالكه وغيره؛ لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي نفسه، فأولى أن لا تثبت له الولاية على غيره (ولا المحدود في قذف وإن تاب)؛ لأن رد شهادته من تمام حده بالنص، والاستثناء منصرف لما يليه، وهو: وأولئك هم الفاسقون