اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٦٩
(ويؤكد) أي يغلظ اليمين (بذكر أوصافه) تعالى المرهبة، كقوله قل: واللّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، وله أن يزيد على هذا أو ينقص، إلا أنه يجتنب العطف كيلا يتكرر اليمين، لأن المستحق عليه يمين واحدة، والاختيار فيه إلى القاضي، وقيل: لا يغلظ على المعروف بالصلاح، ويغلظ على غيره، وقيل: يغلظ في الخطير من المال دون الحقير، كما في الهداية.
(ولا يستحلف بالطلاق، ولا بالعتاق) في ظاهر الرواية، قال قاضيخان: وبعضهم جوز ذلك في زماننا، والصحيح ظاهر الرواية، تصحيح. فلو حلف به فنكل لا يقضي عليه بالنكول؛ لنكوله عما هو منهي عنه شرعا.
(ولا يستحلف اليهودي باللّه الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني باللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي باللّه الذي خلق النار) فيغلظ على كل بمعتقده، فلو اكتفى باللّه كفى كالمسلم، اختيار. قال في الهداية: هكذا ذكر محمد في الأصل، ويروى عن أبي حنيفة أنه لا يستحلف غير اليهودي والنصراني إلا باللّه، وهو اختيار بعض مشايخنا؛ لأن في ذكر النار مع اسم اللّه تعالى تعظيمها، وما ينبغي أن تعظم. بخلاف الكتابين؛ لأن كتب اللّه تعالى معظمة، والوثني لا يحلف إلا باللّه تعالى؛ لأن الكفرة بأسرهم يعتقدون اللّه، قال اللّه تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اللّه
. اهـ.
(ولا يحلفون في بيوت عباداتهم)، لكراهة دخولها، ولما فيه من إيهام تعظيمها.
(ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان) كيوم الجمعة بعد العصر (ولا بمكان) كبين الركن والمقام بمكة، وعند منبر النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة؛ لأن المقصود تعظيم المقسم به، وهو حاصل بدون ذلك، وفي إيجاب ذلك تكليف القاضي حضورها، وهو مدفوع، هداية.
(ومن ادعى أنه ابتاع) أي اشترى (من هذا) الحاضر (عبده بألف فجحده) المدعى عليه (استحلف باللّه) تعالى (ما بينكما بيع قائم فيه): أي في هذا العبد (ولا يستحلف باللّه ما بعت) هذا العبد، لاحتمال أنه باع ثم فسخ أو أقال (ويستحلف) كذلك (من الغصب) بأن يقول له (باللّه ما يستحق عليك رده، ولا يحلف باللّه ما غصبت)؛ لاحتمال هبته أو أداء ضمانه (و) كذلك في النكاح، بأن يقول له: (باللّه ما بينكما نكاح قائم في الحال)؛ لاحتمال الطلاق البائن (وفي دعوى الطلاق باللّه ما هي بائن منك الساعة بما ذكرت) أي بالوجه الذي ذكرته المدعية (ولا يستحلف باللّه ما طلقتها)، لاحتمال تجدد النكاح بعد الإبانة، فيحلف على الحاصل، وهو صورة إنكار المنكر؛ لأنه لو حلف على السبب يتضرر المدعى عليه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يحلف في الجميع على السبب إلا إذا عرض بما ذكر فيحلف على الحاصل، قال في الهداية: والحاصل هو الأصل عندهما، إذا كان سبباً يرتفع، وإن كان لا يرتفع فالتحليف على السبب بالإجماع، كالعبد المسلم إذا ادعى العتق على مولاه، وتمامه فيها.