اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٥٨
(ومن حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه) أو بأمره أو بعلمه (فأذن لها) أو أمرها (مرة فخرجت) ورجعت (ثم خرجت مرة أخرى بغير إذنه) أو أمره أو علمه (حنث) في حلفه (ولابد) لعدم الحنث (من إذن) أو أمر أو علم (في كل خروج) لأن المستثنى خروج مخصوص بالإذن، وما وراءه داخل في الحظر العام، ولو نوى الإذن مرة يصدق ديانة لا قضاء؛ لأنه محتمل كلامه، لكنه خلاف الظاهر، هداية. ولو قال "كلما خرجت فقد أذنت لك" سقط إذنه كما في الجوهرة. (وإن قال إلا أن) أو حتى (آذن لك) أو آمرك (فأذن لها) أو أمرها (مرة واحدة ثم خرجت بعدها بغير إذنه) أو أمره (لم يحنث) في حلفه؛ لأن ذلك للتوقيت، فإذا أذن مرة فقد انتهى الوقت وانتهى الحلف بانتهائه (وإذا حلف لا يتغدى فالغداء) هو (الأكل) الذي يقصد به الشبع عادة؛ ويعتبر عادة كل بلد في حقهم، حتى لو شبع بشرب اللبن يحنث البدوي لا الحضري، زيلعي (من طلوع الفجر إلى الظهر) وفي البحر عن الخلاصة "طلوع الشمس" قال: وينبغي اعتماده للعرف، زاد في النهر: وأهل مصر يسمونه فطوراً إلى ارتفاع الضحى الأكبر، فيدخل وقت الغداء، فيعمل بعرفهم، قلت: وكذا أهل دمشق الشام. در (والعشاء من صلاة الظهر إلى نصف الليل) وفي البحر عن الإسبيجاني: وفي عرفنا وقت العشاء بعد صلاة العصر، قلت: وهو عرف مصر والشام، در (والسحور من نصف الليل إلى طلوع الفجر) لأنه مأخوذ من السحر، ويطلق على ما يقرب منه، وهو نصف الليل.
(وإن حلف ليقضين دينه إلى قريب فهو ما دون الشهر)؛ لأن ما دونه يعد قريباً عرفاً (وإن قال إلى بعيد فهو أكثر من الشهر) وكذا الشهر؛ لأن الشهر وما زاد عليه يعد بعيدا، ولهذا يقال عند بعد العهد: ما لقيتك منذ شهر، كما في الهداية.
(ومن حلف لا يسكن هذه الدار) أو البيت، أو المحلة (فخرج منها بنفسه وترك فيها أهله ومتاعه حنث)؛ لأنه يعد ساكنا ببقاء أهله ومتاعه فيها عرفا، فإن السوقي عامة النهار في السوق، ويقول: أسكن سكة كذا، ثم قال أبو حنيفة: لابد من نقل كل المتاع، حتى لو بقي وتد حنث، لأن السكنى ثبتت بالكل فتبقى ما بقي شيء منه، وقال أبو يوسف: يعتبر نقل الأكثر، لأن نقل الكل قد يتعذر، وقال محمد: يعتبر نقل ما تقوم به السكنى؛ لأن ما وراء ذلك ليس من السكنى، قالوا: هذا أحسن وأرفق بالناس، كذا في الهداية. وفي الدر عن العيني: وعليه الفتوى.
(ومن حلف ليصعدن السماء، أو ليقلبن هذا الحجر ذهباً، انعقد يمينه)؛ لإمكان البر حقيقة بإقدار اللّه تعالى، فينعقد يمينه (وحنث عقيبها) للعجز عادة، بخلاف ما إذا حلف: ليشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه حيث لا يحنث لأن شرب مائه ولا ماء فيه لا يتصور، والأصل في ذلك: أن إمكان البر في المستقبل شرط انعقاد اليمين؛ إذ لابد من تصور الأصل لتنعقد في حق الحلف، وهو الكفارة.
(ومن حلف ليقيضن فلاناً دينه اليوم) مثلا (فقضاه) إياه (ثم وجد فلان بعضه) أو كله (زيوفاً) وهي ما يقبله التجار ويرده بيت المال (أو نبهرجة) وهي ما يرده كل منهما (أو مستحقاً) للغير (لم يحنث) الحالف، لوجود الشرط، لأن الزيوف والنبهرجة من الدراهم، غير أنها معيبة، والعيب لا يعدم الجنس، ولذا لو تجوز بها صار مستوفيا، وقبض المستحقة صحيح فلا يرتفع برده البر المتحقق كما في الهداية.
(وإن وجدها رصاصاً أو ستوقةً) بالفتح - أراد من النبهرجة. وعن الكرخي: الستوقة عندهم ما كان الصفر أو النحاس هو الغالب الأكثر فيه، مغرب. وقيل: ما كان داخله نحاس وخارجه فضة (حنث) في يمينه؛ لأنهما ليسا من جنس الدراهم، حتى لا يجوز التجوز بهما في الصرف والسلم، هداية.