اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٥٦
(ومن حلف لا يأكل الشواء فهو) أي حلفه (على اللحم) المشوي (دون) غيره مما يشوى، مثل (الباذنجان والجزر) ونحوه، لأنه المراد عند الإطلاق، إلا أن ينوي مطلق ما يشوى، لمكان الحقيقة (ومن حلف لا يأكل الطبيخ فهو على ما يطبخ من اللحم) استحسانا اعتبارا للعرف، وهذا لأن التعميم متعذر فيصرف إلى خاص هو متعارف وهو اللحم المطبوخ بالماء، إلا إذا نوى غير ذلك؛ لأن فيه تشديداً على نفسه كما في الهداية (ومن حلف لا يأكل الرءوس فيمينه) مقصورة (على ما يكبس) أي يدخل (في التنانير ويباع في) ذلك (المصر) أي مصر الحالف؛ لأنه لا يمكن حمله على العموم؛ إذ الإنسان لا يقصد بيمينه رءوس الجراد والعصافير ونحو ذلك؛ فكان المراد منه المتعارف، قال في الهداية: وفي الجامع الصغير: لو حلف لا يأكل رأسا فهو على رأس البقر والغنم عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: على الغنم خاصة، وهذا اختلاف عصر وزمان، كان العرف في زمنه فيهما، وفي زمنهما في الغنم خاصة، وفي زماننا بقي على حساب العادة كما هو المذكور في المختصر، اهـ (ومن حلف لا يأكل الخبز فيمينه) مقصورة (على ما يعتاد أهل) ذلك (البلد) أي بلد الحالف (أكله خبزاً)، لما مر من أن العرف هو المعتبر (فإن أكل خبز القطائف أو خبز الأرز بالعراق لم يحنث)، لأن القطائف لا يسمى خبزاً مطلقا؛ إلا إذا نواه؛ لأنه يحتمله، وخبز الأرز غير معتاد عند أهل العراق، حتى لو كان في بلدة طعامهم ذلك يحنث.
(ومن حلف لا يبيع ولا يشتري أو لا يؤاجر فوكل) الحالف غيره (بذلك) الفعل (لم يحنث)؛ لأن حقوق هذه العقود ترجع إلى العاقد، فلم يوجد ما هو الشرط، وهو العقد من الآمر الثابت له حكم العقد، إلا أن ينوي ذلك؛ لأن فيه تشديداً على نفسه، أو يكون الحالف ذا سلطان لا يتولى العقد بنفسه؛ لأنه يمنع نفسه عما يعتاده، حتى لو كان الوكيل هو الحالف يحنث كما في الهداية.
(ومن حلف لا يتزوج أو لا يطلق أو لا يعتق فوكل) غيره (بذلك) الفعل (حنث)؛ لأن الوكيل في هذه العقود سفير ومعبر، ولهذا لا يضيفه إلى نفسه، بل إلى الآمر، وحقوق العقد ترجع إلى الآمر لا إليه، هداية.
(ومن حلف لا يجلس على الأرض فجلس على بساط أو حصير لم يحنث) لأنه لا يسمى جالساً على الأرض، بخلاف ما إذا حال بينه وبينها لباسه لأنه تبع له، فلم يعتبر حائلا (ومن حلف لا يجلس على سرير) معين (فجلس على سرير) أي على السرير المحلوف عليه وكان (فوقه بساط) أو حصير (حنث) لأنه يعد عرفاً جالساً عليه (وإن جعل فوقه سريراً آخر فجلس عليه لم يحنث)؛ لأنه لم يجلس على السرير المحلوف عليه، وإنما جلس على غيره، إذ لجلوس حينئذ ينسب إلى الثاني، ولذا قيدنا بالمعين، إذ لو كان يمينه على غير معين يحنث، لوجود الجلوس على سرير (وإن حلف لا ينام على فراش) معين كما تقدم (فنام عليه وفوقه قرام) أي ستر (حنث) لأنه تبع للفراش؛ فيعد نائماً عليه (وإن جعل فوقه فراشاً آخر لم يحنث)، لأن مثل الشيء لا يكون تبعاً له فقطعت النسبة عن الأول.