اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٥٠
(واليمين) إنما يكون (باللّه تعالى) أي بهذا الاسم المعروف باسم الذات (أو باسم) آخر (من أسمائه) تعالى؛ سواء تعورف الحلف به أو لا على المذهب، وذلك (كالرحمن والرحيم) والعليم والحليم (أو بصفة من صفات ذاته) تعالى، وهي التي لا يوصف بضدها إذا تعورف الحلف بها، وذلك (كعزة اللّه وجلاله وكبريائه) وملكوته وجبروته وعظمته وقدرته، لأن الحلف بها متعارف، ومعنى اليمين - وهو القوة - حاصل، لأنه يعتقد تعظيم اللّه تعالى وصفاته، فصلح ذكره حاملا ومانعاً، هداية. (إلا قوله وعلم اللّه فإنه لا يكون يميناً) وإن كان من صفات ذاته تعالى؛ لأنه غير متعارف، ولأنه يذكر ويراد به المعلوم، يقال "اغفر لنا علمك فينا" أي معلومك، هداية. أي: ومعلوم اللّه تعالى غيره، فلا يكون يمينا، قالوا، إلا أن يريد به الصفة فإنه يكون يمينا، لزوال الاحتمال. جوهرة (وإن حلف بصفة من صفات الفعل) وهي التي يوصف بها وبضدها إذا لم يتعارف الحلف بها (كغضب اللّه وسخطه) ورضائه ورحمته (لم يكن حالفاً) لأن الحلف بها غير متعارف، ولأن هذه الصفات قد يراد بها أثرها. والحاصل أن الحلف بالصفة سواء كانت صفة ذات أو صفة فعل إن تعورف الحلف بها فيمين، وإلا فلا؛ لأن الأيمان مبنية على العرف (ومن حلف بغير اللّه) تعالى (لم يكن حالفاً) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من كان منكم حالفاً فليحلف باللّه أو ليذر) وذلك (كالنبي والقرآن والكعبة) قال في الهداية: لأنه غير متعارف، ثم قال: معناه أن يقول: والنبي، والقرآن، أما لو قال "أنا برئ منه" يكون يمينا؛ لأن التبرئ منها كفر، اهـ: قال الكمال: ولا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يميناً، وأما الحلف بكلام اللّه تعالى فيدور مع العرف. اهـ.
(والحلف) إنما يكون (بحروف القسم، وحروف القسم) ثلاثة، وهي: (الواو كقوله واللّه، والباء كقوله باللّه، والتاء كقوله تاللّه)؛ لأن كل ذلك معهود في الأيمان مذكور في القرآن (وقد تضمر) هذه (الحروف فيكون حالفاً) وذلك (كقوله: اللّه لا أفعل كذا) لأن حذف حرف الجر من عادة العرب إيجازاً، ثم قيل: ينصب لانتزاع حرف الخفض، وقيل: يخفض فتكون الكسرة دالة على المحذوف، درر.
(وقال أبو حنيفة: إذا قال) مريد الحلف (وحق اللّه فليس بحالف) وهو قول محمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وعنه رواية أخرى أنه يكون يميناً؛ لأن الحق من صفات اللّه، وهو حقيقة، فصار كأنه قال واللّه الحق، والحلف به متعارف، ولهما أنه يراد به طاعة اللّه؛ إذ الطاعات حقوقه، فيكون حلفاً بغير اللّه، هداية. قال الإسبيجاني: والصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى الأئمة كما هو الرسم، تصحيح.
(وإذا قال أقسم أو أقسم باللّه أو أحلف أو أحلف باللّه) أو أعزم، أو أعزم باللّه (أو أشهد أو أشهد باللّه فهو حالف)؛ لأن هذه الألفاظ مستعملة في الحلف، وهذه الصيغة للحال حقيقة، وتستعمل للاستقبال بقرينة؛ فجعل حالفاً في الحال، هداية. (وكذلك قوله وعهد اللّه، وميثاقه)؛ لأن العهد يمين، قال تعالى وأوفوا بعهد اللّه
والميثاق عبارة عن العهد (و) قوله (على نذر أو ) على (نذر للّه) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين)، هداية.
(أو إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو كافر فهو يمين)، لأنه لما جعل الشرط علماً على الكفر فقد اعتقده واجب الامتناع، وقد أمكن القول بوجوبه لغيره بجعله يميناً كما نقول في تحريم الحلال، ولو قال ذلك لشيء قد فعله فهو الغموس، ولا يكفر اعتباراً بالمستقبل، وقيل: يكفر، لأنه تنجيز معنى، فصار كما إذا قال: هو يهودي، والصحيح أنه لا يكفر فيهما إن كان يعلم أنه يمين، وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما، لأنه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل، هداية. وفي شرح السرخسي: والفتوى على أنه إن اعتقد الكفر به يكفر، وإلا فلا، وصححه قاضيخان.
(وإن قال): إن فعلت كذا (فعلي غضب اللّه أو سخطه أو أنا زان أو شارب خمر أو آكل ربا فليس بحالف)، لأنه غير متعارف، فلو تعورف هل يكون يميناً؟ ظاهر كلامهم: نعم، وظاهر كلام الكمال: لا، وتمامه في النهر.