اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٣٧
(وإذا رمى الرجل سهماً إلى صيد فسمى عند الرمى أكل ما أصاب) السهم (إذا جرحه السهم فمات)؛ لأنه ذبح بالرمي، لكون السهم آلة له، فتشترط التسمية عنده، وجميع البدن محل لهذا النوع من الذكاة، ولابد من الجراحة، ليتحقق معنى الذكاة على ما بينا، هداية (وإن أدركه حياً ذكاه، وإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل) كما تقدم آنفا (وإذا وقع السهم) بالصيد (فتحامل): أي ذهب بالجرح، قال في الغرب: التحامل بالشيء أن يتكلفه على مشقة وإعياء، يقال: تحاملت في المشي، ومنه ضربه ضربا يقدر على التحامل معه، أي على المشي مع التكلف، ومنه ربما يتحامل الصيد ويطير، أي يتكلف الطيران، اهـ (حتى غاب) الصيد (عنه و) لكن (لم يزل) الرامي (في طلبه حتى أصابه ميتاً) وليس به إلا أثر سهمه (أكل)؛ لأنه غير مفرط، وقد ذكاه الذكاة الضرورية؛ فيحال الموت إليها (وإن كان قعد عن طلبه ثم أصابه ميتاً لم يؤكل)؛ لاحتمال موته بسبب آخره، والموهوم في هذا الباب كالمحقق، إلا أنه سقط اعتباره ما دام في طلبه ضرورة أنه لا يعرى الاصطياد عنه، ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه. قيدنا بأن ليس به إلا أثر سهمه، لأنه لو وجد به جراحا أخرى حرم، لاحتمال موته منها، والجواب في إرسال الكلب في هذا كالجواب في الرمي في جميع ما ذكرنا كما في الهداية (وإذا رمى صيداً فوقع في الماء فمات لم يؤكل) لاحتمال موته بالغرق (وكذلك إن وقع على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض)؛ لاحتمال موته من التردي (وإن وقع) الصيد (على الأرض ابتداء أكل) لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وفي اعتباره محرما سد باب الاصطياد، بخلاف ما تقدم، لأنه يمكن الاحتراز عنه، فصار الأصل: أن سبب الحرمة والحل إذا اجتمعا وأمكن التحرز عما هو سبب الحرمة ترجح جهة الحرمة احتياطاً، وإن كان مما لا يمكن التحرز عنه جرى وجوده مجرى عدمه، لأن التكليف بحسب الوسع. هداية.
(وما أصاب المعراض بعرضه لم يؤكل) لأنه لا يجرح، والجرح لابد منه ليتحقق معنى الذكاة على ما قدمناه (وإن) أصاب بحده و (جرحه أكل) لتحقق معنى الذكاة. قيدنا بالجرح بالحد لأنه لو جرحه بعرضه فمات لم يؤكل، لقتله بثقله.
والمعراض هو: سهم لا ريش له كما في المغرب، وفي الجوهرة: المعراض عصا. محددة الرأس، وقيل: هو السهم المنحوت من الطرفين (ولا يؤكل ما أصابته البندقة) بضم الباء. والدال طينة مدورة يرمي بها، مغرب (إذا مات منها)، لأنها تدق وتكسر ولا تجرح، فصارت كالمعراض إذا لم يجرح، وكذلك إذا رماه بحجر،
قال في الهداية: وكذلك إن جرحه إذا كان ثقيلا ولو به حدة لاحتمال أنه قتله بثقله، وإن كان خفيفا وبه حدة يحل، لتيقن الموت بالجرح، ثم قال: والأصل في هذه المسائل أن الموت إن كان مضافا إلى الجرح بيقين كان الصيد حلالا، وإذا كان مضافاً إلى الثقل بيقين كان حراماً، وإن وقع الشك كان حراماً احتياطاً، والحديد وغيره سواء، اهـ مع بعض تغيير].
(وإذا رمى إلى صيد فقطع عضواً منه أكل) ذلك الصيد؛ لوجود الجرح (ولا يؤكل العضو) المقطوع؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم (ما أبين من الحي فهو ميت) والعضو بهذه الصفة؛ لأن المبان منه حي حقيقة لقيام الحياة، وكذا حكما لأنه يتوهم سلامته بعد هذه الجراحة، جوهرة (وإن قطعه أثرثا و) كان (الأكثر مما يلي العجز) أوقده نصفين، أو قطع نصف رأسه أو أكثره (أكل) الكل؛ لأن في هذه الصور لا يمكن فيه حياة فوق حياة المذبوح، فلم يتناوله الحديث المذكور، بخلاف ما إذا كان الأكثر مما يلي الرأس لإمكان الحياة فوق حياة المذبوح؛ فيحل ما مع الرأس ويحرم العجز؛ لأنه مبان من الحي كما ذكر.
(ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد ة والوثني)، لأنهم ليسوا من أهل الذكاة كما يأتي، وذكاة الاضطرار كذكاة الاختيار.