اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٢٩
(والحرز على ضربين: حرز لمعنى فيه) وهو المكان المعد للاحراز، وذلك (كالبيوت والدور) والحانوت والصندوق والفسطاط، وهو الحرز حقيقة (وحرز بالحافظ) كمن جلس في الطريق أو المسجد وعنده متاعه فهو محرز به فيكون حرزا معنى (فمن سرق شيئاً من حرز) وإن لم يكن صاحبه عنده أو لم يكن له باب أوله وهو مفتوح (أو) من (غير حرز و) لكن (صاحبه عنده يحفظه) سواء كان مستيقظاً أو نائما والمتاع تحته أو عنده، وهو الصحيح؛ لأنه يعد النائم عند متاعه حافظا له في العادة، هداية (وجب عليه القطع)؛ لأنه سرق مالا محرزاً بأحد الحرزين (ولا قطع على من سرق من حمام) في وقتٍ جرت العادة بدخوله فيه، وكذا حوانيت التجار والخانات؛ لوجود الإذن عادة، فلو سرق في غير وقت الإذن المعتاد قطع، لأنها بنيت للاحراز، وإنما الإذن مختص في وقت العادة (أو من بيت أذن للناس في دخوله)؛ لوجود الإذن حقيقة (ومن سرق من المسجد متاعاً وصاحبه عنده قطع) لأنه محرر بالحافظ؛ لأن المسجد ما بني لإحراز الأموال، فلم يكن المال محرزا بالمكان، بخلاف الحمام والبيت الذي أذن للناس في دخوله حيث لا يقطع؛ لأنه بني للاحراز؛ فكان حرزاً؛ فلا يعتبر معه الإحراز بالحافظ لأنه أقوى كما في الهداية (ولا قطع على الضيف إذا سرق ممن أضافه)، لأن البيت لم يبق حرزاً في حقه، لكونه مأذونا في دخوله، ولأنه بمنزلة أهل الدار، فيكون فعله خيانة، لا سرقة (وإذا نقب اللص البيت ودخل فأخذ المال وناوله آخر خارج البيت فلا قطع عليهما)؛ لأن الأول لم يوجد منه الإخراج لاعتراض يد معتبرة على المال قبل خروجه، والثاني لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد. قال جمال الإسلام: وهذا قول أبي حنيفة، وعليه مشى الأئمة المحبوبي والنسفي والموصلي وغيرهم. تصحيح (وإن ألقاه) أي ألقى اللص المتاع (في الطريق) قبل أن يخرج (ثم خرج فأخذه قطع)، لأن الرمي حيلة يعتاد السراق لتعذر الخروج مع المتاع أو ليتفرغ لقتال صاحب الدار أو للفرار، ولم يعترض عليه يد معتبرة، فاعتبر الكل فعلا واحدا، وإذا خرج ولم يأخذه فهو مضيع لا سارق. هداية (وكذلك): أي قطع (إن حمله): أي المتاع (على حمار فساقه فأخرجه) لأن سيره مضاف إليه لسوقه (وإذا دخل الحرز جماعة فتولى بعضهم الأخذ) دون البعض (قطعوا جميعاً) لأن الإخراج من الكل معنى للمعاونة، وهذا لأن المعتاد فيما بينهم أن يحمل البعض المتاع ويتشمر الباقون للدفع، فلم امتنع القطع أدى إلى سد باب الحد.
(ومن نقب البيت وأدخل يده فيه) من غير أن يدخل (فأخذ شيئاً) يبلغ النصاب (لم يقطع)، لأن هتك الحرز بالخول فيه، ولم يوجد، قال بهاء الدين في شرحه: وعن أبي يوسف أنه يقطع، والصحيح قولنا، واعتمده البرهاني وغيره، تصحيح (وإن أدخل يده في صندوق الصيرفي أو في كم غيره فأخذ المال قطع)، لتحقق هتك الحرز، لأنه لا يمكن هتك مثل هذا الحرز إلا على الصفة (ويقطع يمين السارق من الزند) وهو المفصل بين الذراع والكف (وتحسم) وجوبا؛ لأنه لو لم تحسم يفضي إلى التلف، والحد زاجر لا متلف، وصورة الحسم: أن تجعل يده بعد القطع في دهن قد أغلي بالنار لينقطع الدم، قال في الذخيرة: والأجرة وثمن الدهن على السارق، لأن منه سبب ذلك وهو السرقة، جوهرة.
(فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى) من الكعب، وهو المفصل بين الساق والقدم، وتحسم أيضاً (فإن سرق ثالثاً لم يقطع) ولكن عزر (وخلد في السجن حتى يتوب) لما روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: إني لأستحي من اللّه أن لا أدع له يداً يأكل بها ويستنجي بها، ورجلا يمشي عليها، وبهذا حاج بقية الصحابة فحجهم، فانعقد إجماعاً، هداية.
(وإذا كان السارق أشل اليد اليسرى أو أقطع): أي مقطوعها (أو مقطوع الرجل اليمنى) أو أشلها (لم يقطع)، لأن في ذلك تفويت جنس المنفعة: بطشاً فيما إذا كان أشل اليد اليسرى أو أقطع، ومشياً فيما إذا كان مقطوع الرجل اليمنى أو أشل، وتفويت ذلك إهلاك معنى، فلا يقام الحد، لئلا يفضي إلى الإهلاك.
(ولا يقطع السارق إلا أن يحضر المسروق منه فيطالب بالسرقة)؛ لأن الخصومة شرط لظهورها، ولا فرق بين الشهادة والإقرار؛ لأن الجناية على مال الغير لا تظهر إلا بالخصومة، وكذا إذا غاب عند القطع؛ لأن الاستيفاء من القضاء في باب الحدود، هداية (فإن وهبها): أي السرقة (من السارق، أو باعها إياه، أو نقصت قيمتها من النصاب) ولو بعد القضاء بها (لم يقطع)؛ لأن الإمضاء في هذا الباب من القضاء، فيشترط قيام الخصومة عند الاستيفاء، فصار كما إذا حصلت قبل القضاء، وتمامه في الهداية.