اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٠٨
هي لغة: بمعنى القسم، وهو اليمين مطلقاً، وشرعا: اليمين بعدد مخصوص وسبب مخصوص على وجه مخصوص، كما بينه بقوله: (وإذا وجد القتيل في محلة ولا يعلم من قتله استحلف خمسون رجلا منهم) أي: من أهل المحلة (يتخيرهم الولي)؛ لأن اليمين حقه، والظاهر أنه يختار من يتهمه بالقتل أو الصالحين منهم لتباعدهم عن اليمين الكاذبة فيظهر القاتل (باللّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا) أي: يحلف كل واحد منهم باللّه ما قتلته ولا علمت له قاتلا.
(فإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية) في مالهم إن كانت الدعوى بالعمد، وعلى عواقلهم إن كان بالخطأ كما في شرح المجمع معزياً للذخيرة والخانية، ونقل ابن كمال عن المبسوط أن في ظاهر الرواية القسامة على أهل المحلة، والدية على عواقلهم في ثلاث سنين، وكذا قيمة القن تؤخذ في ثلاث سنين، شر نبلانية كذا في الدر.
(ولا يستحلف الولي) وإن كان من أهل المحلة، لأنه غير مشروع (ولا يقضى له) أي للولي (بالجناية) بيمينه، لأن اليمن شرعت للدفع، لا للاستحقاق، وإنما وجهت الدية بالقتل الموجود منهم ظاهراً لوجود القتيل بين أظهرهم، أو بتقصيرهم في النمحافظة كما في قتل الخطأ والقسامة لم تشرع لتجب الدية إذا نكلوا، وإنما شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم عن اليمين الكاذبة فيقرون بالقتل، فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص، وثبتت الدية لئلا يهدر دمه، ثم من نكل منهم حبس حتى يحلف، لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها تعظيماً لأمر الدم، ولهذا يجمع بينه وبين الدية، بخلاف النكول في الأموال، لأن الحلف فيها بدلٌ عن أصل حقه، ولهذا يسقط ببذل المدعى به، وهذا لا يسقط ببذل الدية، كما في الدرر.
(وإن لم يكمل أهل المحلة) خمسين رجلا (كررت الأيمان عليهم حتى يتم خمسون) يمينا؛ لأنها واجبة بالسنة، فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يطلب فيه الوقوف على الفائدة لثبوتها بالسنة، فإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر على أحدهم فليس له ذلك لأن المصير إلى التكرار ضرورة عدم الإكمال، هداية.
(ولا يدخل في القسامة صبي ولا مجنون)؛ لأنهما ليسا من أهل القول الصحيح، (ولا امرأة ولا عبد) لأنهما ليسا من أهل النصرة، واليمين على أهلها.
(وإن وجد) في المحلة (ميت لا أثر به) من جراحة أو أثر ضرب أو خنق، (فلا قسامة) فيه (ولا دية) لأنه ليس بقتيل، إذ القتيل في العرف من فاتت حياته بسبب مباشرة الحي، وهذا ميت حتف أنفه حيث لا أثر يستدل به على كونه قتيلا.
(وكذلك) الحكم (إذا كان الدم يسيل من أنفه أو من دبره) أو قبله (أو من فمه) لأن الدم يخرج منها عادة بلا فعل أحد (وإن كان) الدم (يخرج من عينه أو من أذنه فهو قتيل)، لأنه لا يخرج منها إلا بفعل من جهة الحي عادة.