اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٤٠٥
(وإن أعتقه المولى) أو باعه أو وهبه أو دبره أو استولدها (وهو لا يعلم بالجناية ضمن الأقل من قيمته ومن أرشها)، لأنه لما لم يعلم لم يكن مختاراً للفداء، إذ لا اختيار بدون علم، إلا أنه استهلك رقبة تعلق بها حق ولي الجناية فلزمه الضمان، وإنما لزمه الأقل لأن الأرش إن كان أقل فليس عليه سواه، وإن كانت القيمة أقل لم يكن متلفاً سواها (وإن باعه المولى أو أعتقه) أو تصرف به تصرفا يمنعه عن الدفع مما ذكرنا قبله (بعد العلم بالجناية وجب عليه الأرش) فقط، لأنه لما تصرف به تصرفا منعه من الدفع بالجناية بعد علمه بها صار مختاراً للفداء لأن المخير بين شيئين إذا فعل ما يمنع من اختيار أحدهما تعين الآخر عليه (وإذا جنى المدبر أو أم الولد جناية) خطأ (ضمن المولى الأقل من قيمته): أي المدبر أو أم الولد، وذلك في أم الولد ثلث قيمتها، وفي المدبر الثلثان، وتعتبر القيمة يوم الجناية لا يوم التدبير الاستيلاد (ومن أرشها): أي الجناية؛ لأنه صار مانعاً بذلك للدفع من غير اختيار، فصار كما لو أعتق العبد قبل العلم بالجناية (فإن جنى) المدبر أو أم الولد جناية (أخرى وقد) كان (دفع المولى القيمة إلى) الولي (الأول بقضاء) من القاضي (فلا شيء عليه) سواها، لأنه لم يتلف إلا قيمة واحدة وقد أجبر على دفعها (و) لكن (يتبع ولي الجناية الثانية ولي الجناية الأولى فيشاركه فيما أخذ)، لأنه قبض ما تعلق به حقه، فصار بمنزلة الوصي إذا دفع التركة إلى الغرماء ثم ظهر غريم آخر (وإن كان المولى دفع القيمة) إلى ولي الجناية الأولى (بغير قضاء فالولي) أي ولي الجناية الثانية (بالخيار: إن شاء اتبع المولى)، لدفعه ما تعلق به حقه إلى الغير باختياره ثم يرجع المولى على الأول (وإن شاء اتبع ولي الجناية الأولى) لأنه قبض حقه ظلماً، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا شيء على المولى؛ سواء دفع بقضاء أو بدونه لأنه دفع إلى الأول ولا حق للثاني، فلم يكن متعديا بالدفع، ولأبي حنيفة أن الجنايات استند ضمانها إلى التدبير الذي صار به المولى مانعاً؛ فكأنه دبر بعد الجنايات، فيتعلق حق جماعتهم بالقيمة، فإذا دفعها بقضاء فقد زالت يده عنها بغير اختياره؛ فلا يلزمه ضمانها، وإن دفعها بغير قضاء فقد سلم إلى الأول ما تعلق به حق الثاني باختياره، فللثاني أن يضمن أيهما شاء.
(وإذا مال الحائط إلى طريق المسلمين فطولب صاحبه بنقضه وأشهد عليه) بذلك (فلم ينقض) الحائط (في مدة يقدر) فيها (على نقضه حتى سقط) الحائط (ضمن ما تلف به من نفس أو مال) إلا أن ما تلف به من النفوس فعلى العاقلة، ومن الأموال فعليه. قيد بالطلب لأنه لو لم يطالب حتى تلف إنسان أو مال لم يضمن، وهذا إذا كان بناؤه ابتداء مستويا، لأنه بناه في ملكه فلك يكن متعديا، والميل حصل بغير فعله، بخلاف ما إذا بناه مائلا من الابتداء، فإنه يضمن ما تلف بسقوطه، سواء طولب أو لا، لتعديه بالبناء، وقيد بصاحبه - أي مالكه - لأنه لو طولب غيره كالمرتهن والمستأجر والمستعير كان باطلا، ولا يلزمهم شيء؛ لأنهم لا يملكون نقضه كما في الجوهرة.
(ويستوي) في الطلب (أن يطالبه بنقضه) أحد من أهل الخصومة (مسلم أو ذمي) أو مكاتب، وكذا الصغير والرقيق المأذون لهما؛ لاستوائهم في حق المرور (وإن مال) الحائط (إلى دار رجل فالمطالبة إلى مالك الدار خاصة)؛ لأن الحق له خاصة، وإن كان فيهم سكان فلهم أن يطالبوه، سواء كانوا بإجارة أو إعارة.
(وإذا اصطدم فارسان) حران خطأ (فماتا) منه (فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر)؛ لأن قتل كل واحد منهما مضاف إلى فعل الآخر. قيدنا بالحرين لأنهما لو كانا عبدين فهما هدر سواء كان خطأ أو عمداً، أما الأول فلأن الجنايات تعلقت برقبة كل منهما دفعاً وفداء، وقد فات بغير فعل المولى، وأما الثاني فلأن كل واحد منهما هلك بعدما جنى فيسقط. وقيدنا بالخطأ لأنه لو كان عامدين ضمن كل واحد منهما نصف الدية، لأن فعل كل واحد منهما محظور، وأضيف التلف إلى فعلهما كما في الاختيار.
(وإذا قتل رجل عبداً خطأ فعليه قيمته) لكن (لا يزاد) بها (على عشرة آلاف درهم)؛ لأنها جناية على آدمي فلا تزاد على دية الحر؛ لأن المعاني التي في العبد موجودة في الحر، وفي الحر زيادة الحرية؛ فإذا لم يجب فيه أكثر فلأن لا يجب في العبد مع نقصانه أولى.