اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٣٩٢
(وشبه العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح) مما مر؛ لتقاصر معنة العمدية باستعماله آلة لا يقتل بها غالباً ويقصد بها غير كالتأديب ونحوه، فكان شبه العمد (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا ضربه بحجر عظيم، أو خشبة عظيمة) مما يقتل به غالباً (فهو عمد) لأنه لما كان يقتل غالباً صار بمنزلة الآلة الموضوعة له (وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل غالباً) قال الإمام الإسبيجاني في شرحه: الصحيح قول الإمام، وفي الكبرى: الفتوى في شبه العمد على ما قال أبو حنيفة، واختاره المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح (وموجب ذلك): أي شبه العمد (على) اختلاف (القولين: المأثم)، لأنه قاتل وهو قاصد في الضرب (والكفارة) لشبة بالخطأ (ولا قود)، لأنه ليس بعمد (وفيه دية مغلظة على العاقلة) والأصل في ذلك: أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا لمعنى يحدث من بعد فهي على العاقلة اعتباراً بالخطأ. ويتعلق به حرمان الإرث لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في إسقاط القصاص دون حرمان الإرث، كما في الهداية.
(والخطأ على وجهين: خطأ في القصد) أي قصد الفاعل (وهو: أن يرمي شخصا يظنه صيداً فإذا هو آدمي) أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم (وخطأ في) نفس (الفعل وهو أن يرمي غرضا) أو صيداً (فيصيب آدميا، وموجب ذلك) في الوجهين (الكفارة والدية على العاقلة) لفوله تعالى: فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) الآية (ولا مأثم فيه) في الوجهين، قال في الهداية: قالوا: المراد إثم القتل، وأما في نفسه فلا يعرى عن الإثم، من حيث ترك العزيمة والمبالغة في التثبت في حال الرمي، إذ شرع الكفارة يؤذن باعتبار هذا المعنى، ويحرم من الميراث، لأن فيه إثما فيصح تعليق الحرمان به، اهـ.
(وما أجري مجرى الخطأ مثل النائم ينقلب على رجل فيقتله) لأنه معذور كالمخطأ (فحكمه حكم الخطأ) من وجوب الكفارة والدية وحرمان الإرث.
(وأما القتل بسبب كحافر البئر، وواضع الحجر في غير ملكه) بغير إذن من السلطان. در عن ابن كمال (وموجبه) أي القتل بسبب (إذا أتلف في آدمي الدية على العاقلة، ولا كفارة فيه) ولا إثم، ولا يتعلق به حرمان الميراث، لأن القتل معدوم منه حقيقة، وألحق به حق الضمان؛ فبقي في حق غيره على الأصل كما في الهداية.
(والقصاص واجب بقتل كل محقون الدم على التأبيد) وهو المسلم والذمي بخلاف الحربي والمستأمن، لأن الأول غير محقون الدم، والثاني، وإن كان محقون الدم في دارنا لكن لا على التأبيد، لأنه إذا رجع صار مباح الدم (إذا قتل) بالبناء للمجهول (عمداً) بشرط كون القاتل مكلفاً، وانتفاء الشبهة بينهما (ويقتل الحر بالحر، والحر بالعبد) لإطلاق قوله تعالى: أن النفس بالنفس
فإنه ناسخ لقوله تعالى: الحر بالحر
، ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدينم أو بالدار وهما مستويان فيهما (والمسلم بالذمي) لما روى أنه صلى اللّه عليه وسلم قتل مسلما بذمي، ولأن المساواة في العصمة ثابتة بالدار، والمبيح كفر المحارب دون المسالم (ولا يقتل المسلم بالمستأمن) لأنه غير محقون الدم على التأبيد؛ لأنه على قصد الرجوع ولا يقتل الذمي بالمستأمن، لما بينا، ويقتل المستأمن بالمستأمن قياسا للمساواة، ولا يقتل استحسانا، لقيام المبيح كما في الهداية (ويقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والصحيح بالأعمى والزمن) وناقص الأطراف والمجنون، للعمومات، ولأن في اعتبار التفاوت فيما وراء العصمة امتناع القصاص كما في الهداية.