اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٣٤٩
(وكفارة الظهار عتق رقبة) أي إعتاقها بنية الكفارة (فإن لم يجد) ما يعتقه (فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع) الصيام (فإطعام ستين مسكينا) للنص الوزارد فيه؛ فإنه يفيد الكفارة على هذا الترتيب (وكل ذلك) يجب العزم (قبل المسيس) لأنها منهبة للحرمة، فلا يدمن تقديمها على الوطء، ليكون الوطء حلالا (ويجزئ في ذلك) التكفير (عتق الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى والصغير والكبير)، لأن اسم الرقبة ينطلق على هؤلاء، إذ هي عبارة عن الذات المرقوقة المملوكة من كل وجه وليست بفائتة المنفعة (ولا تجوز العمياء ولا المقطوعة اليدين أو الرجلين)، لأنه فائت جنس المنفعة فكان هالكا حكما (ويجوز الأصم والمقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف) والمقطوع الأذنين والأنف والأعور والأعمش والخصي والمجبوب، لأنه ليس بفائت جنس المنفعة، بل مختلها، وهو لا يمنع (ولا يجوز مقطوع إبهام اليدين)؛ لأن قوة البطش بهما، فبقولها يفوت جنس المنفعة (ولا المجنون الذي لا يعقل)؛ لأن الانتفاع بالجوارح لا يكون إلا بالعقل، فكان فائت المنافع، والذي يجن ويفيق يجزئه؛ لأن الاختلال غير مانع (ولا يجوز عتق المدبر وأم الولد)، لاستحقاقهما الحرية بتلك الجهة، فكان الرق فيهما ناقصاً (و) كذا (المكاتب الذي أدى بعض المال) ولم يعجز نفسه؛ لأنه إعتاق ببدل (فإن أعتق مكاتباً لم يؤد شيئا) وعجز نفسه (جاز)، لقيام الرق من كل وجه (وإن اشترى) المظاهر (أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارة جاز عنها)؛ لثبوت العتق اقتضاء بالنية، بخلاف مالو ورثه، لأنه لا صنع له فيه (وإن أعتق) المظاهر (نصف عبد مشترك عن الكفارة) وهو موسر (وضمن قيمة باقية فأعتقه لم يجز عند أبي حنيفة) ويجوز عندهما، لأنه يملك نصيب صاحبه بالضمان، فصار معتقا الكل وهو ملكه، ولأبي حنيفة أن نصيب صاحبه ينتقص على ملكه ثم يتحول إليه بالضمان، ومثله يمنع الكفارة. هداية. قال في التصحيح: وهذه من فروع تجزؤ العتق، قال الإسبيجاني فيه: الصحيح قول أبي حنيفة، وعلى هذا مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما. قيدنا بالموسر لأنه إذا كان معسراً لم يجز اتفاقاً؛ لأنه وجب عليه السعاية في نصيب الشريك، فيكون إعتاقاً بعوض (وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم أعتق باقيه عنها جاز)، لأنه أعتقه بكلامين، والنقصان حصل على ملكه بجهة الكفارة ومثله غير مانع، كمن أضجع شاة للأضحية فأصابت السكين عينها، بخلاف ما تقدم؛ لأن النقصان تمكن على ملك الشريك، وهذا على أصل أبي حنيفة، أما عندهما فالإعتاق لا يتجزأ؛ فإعتاق النصف إعتاق الكل، فلا يكون إعتاقاً بكلامين. هداية (وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم جامع التي ظاهر منها أعتق باقيه لم يجز عند أبي حنيفة)، لأن الإعتاق يتجزأ عنده، وشرط الإعتاق أن يكون قبل المسيس بالنص، وإعتاق النصف حصل بعده. وعندهما إعتاق النصف إعتاق الكل، فحصل الكل قبل المسيس. هداية. وقدمنا تصحيح الإسبيجاني لقول الإمام في تجزؤ الإعتاق، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما. تصحيح (وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق) ولو محتاجاً إليه لخدمته أو قضاء دينه؛ لأنه واجد حقيقة. بدائع (فكفارته صوم شهرين) بالأهلة، وإن كان كل واحد منهما تسعة وعشرين يوماً، وإلا فستين يوماً، فإن صام بالأيام وأفطر لتسعة وخمسين فعليه الاستقبال كما في المحيط، ولو صام تسعة وعشرين يوما بالهلال وثلاثين بالأيام جاز كما في النظم، ولو قدر على التحرير ولو في آخر اليوم الأخير لزمه العتق، وأتم يومه ندباً (متتابعين) للنص عليه (ليس فيهما شهر رمضان) لأنه لا يقع عن الظهار؛ لما فيه من إبطال ما أوجبه اللّه تعالى (ولا يوم لبفطر ولا يوم النحر ولا أيام التشريق)؛ لأن الصوم في هذه الأيام منهى عنه، فلا ينوب عن الواجب الكامل، هداية (فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلا عامداً أو نهاراً ناسياً استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد) وقال أبو يوسف: لا يستأنف؛ لأنه لا يمنع التتابع، إذ لا يفسد به الصوم وهو الشرط، ولهما أن الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس، وأن يكون خالياً عنه ضرورة بالنص، وهذا الشرط بنعدم بالجماع في خلال الصوم، فيستأنف كما في الهداية، قال في زاد الفقهاء: والصحيح قول أبي حنيفة ومحمد، ومشى عليه البرهاني والنسفي وصدر الشريعة. تصحيح (وإن أفطر يوماً منهما) أي الشهرين (بعذر) كسفر ومرض ونفاس، بخلاف الحيض لتعذر الخلو عنه (أو بغير عذر استأنف) أيضاً، لفوات التتابع وهو قادر عليه عادة.
(وإن ظاهر العبد) ولو مكاتباً (لم يجزه في الكفارة إلا الصوم) لأنه لا ملك له، فلم يكن من أهل التكفير بالمال (فإن أعتق المولى عنه أو أطعم لم يجزه) لأنه ليس من أهل الملك، فلا يصير مالكا بتمليكه.
(وإن لم يستطع المظاهر الصيام) لمرض لا يرجى برؤه أو كبر سن (أطعم) هو أو نائبه (ستين مسكينا) التقيد به انفاقي، لجواز صرفه إلى غيره من مصارف الزكاة، ولا يجزئ غير المراهق، بدائع (كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير) كالفطرة قدراً ومصرفاً (أو قيمة ذلك) لأن المقصود سد الخلة ودفع الحاجة ويوجد ذلك في القيمة (فإن غداهم وعشاهم جاز، قليلا) كان (ما أكلوا أو كثيراً): لأن المنصوص عليه هو الإطعام، وهو حقيقة في التمكين من الطعم، وفي الإباحة ذلك كما في التمليك، بخلاف الواجب في الزكاة وصدقة الفطر، فإنه الإيتاء والأداء، وهما للتمليك حقيقة، ولابد من الإدام في خبز الشعير، ليمكنه الاستيفاء إلى الشبع، وفي خبز الحنطة لا يشترط الإدام كما في الهداية (فإن أعطى مسكينا واحداً ستين يوما أجزأه)، لأن المقصود سد خلة المحتاج، والحاجة تتجدد في كل يوم، فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره (وإن أعطاه في يوم واحد) ولو بدفعاتٍ على الأصح، زيلعى (لم يجزه إلا عن يومه) ذلك، لفقد التعدد حقيقة وحكما (وإن قرب التي ظاهر منها) أي جامعها (في خلال الإطعام لم يستأنف)، لأن النص فيه مطلق، إلا أنه يمنع من المسيس قبله، لأنه ربما يقدر على الإعتاق أو الصوم فيقعان بعد المسيس، والمنع لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية في نفسه.
(ومن وجب عليه كفارتا ظهار) من امرأة أو امرأتين (فأعتق رقبتين لا ينوي عن إحداهما بعينها جاز عنهما، وكذلك إذا صام أربعة أشهر، أو أطعم مائة وعشرين مسكيناً) لأن الجنس متحد، فلا حاجة إلى نية معينة (وإن أعتق رقبة واحدة أو صام شهرين) عن كفارتي ظهار (كان له أن يجعل ذلك عن أيتهما شاء)، لأن النية معتبرة عند اختلاف الجنس.
٣ كتاب اللعان