اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٣٣٦
(وإن قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة) بتقديم الشرط (فدخلت الدار وقعت عليها واحدة عند أبي حنيفة) وعندهما ثنتان، وإن أخر الشرط يقع ثنتان اتفاقا؛ لأن الشرط إذا تأخر بغير صدر الكلام فيتوقف عليه فيقعن جملة، ولا مغير فيما إذا تقدم الشرط فلم يتوقف ولو عطف بحرف الفاء فهو على هذا الخلاف فيما ذكر الكرخي، وذكر الفقيه أبو الليث أنه يقع واحدة بالاتفاق، لأن الفاء للتعقيب، وهو الأصح، هداية (وإذا قال لها أنت طالق بمكة) أو في مكة (فهي طالق) في الحال (في كل البلاد،) كذلك (إذا قال أنت طالق في الدار)؛ لأن الطلاق لا يتخصص بمكان دون مكان، وإن عنى به إذا أتيت مكة يصدق ديانة لا قضاء؛ لأنه نوى الإضمار، وهو خلاف الظاهر، هداية (وإن قال أنت طالق إذا دخلت مكة لم تطلق حتى تدخل مكة)؛ لأنه علقه بالدخول، ولو قال "في دخولك الدار) يتعلق بالفعل؛ لمقاربة بين الشرط والظرف فحمل عليه عند تعذر الظرف هداية (وإن قال لها أنت طالق غداً وقع الطلاق عليها بطلوع الفجر)؛ لأنه وصفها بالطلاق في جميع الغد، وذلك بوقوعه في أول جزء منه، ولو نوى آخر النهار صدق ديانة لا قضاء؛ لأنه نوى التخصيص في العموم، وهو يحتمله مخالفاً للظاهر. هداية.
(وإن قال لامرأته اختاري نفسك ينوي بذلك الطلاق) قيد بنية الطلاق لأنه من الكنايات؛ فلا يعمل إلا بالنية (أو قال لها طلقي نفسك؛ فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك) ولا اعتبار بمجلس الرجل، حتى لو قام عن مجلسه وهي في مجلسها كانت على خيارها.
(فإن قامت منه): أي المجلس (أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها)؛ لأن المخيرة لها المجلس بإجماع الصحابة، ولأنه تمليك الفعل منها، والتمليكات تقتضي جوابا في المجلس كما في البيع، لأن ساعات المجلس اعتبرت ساعة واحدة إلا أن المجلس تارة يتبدل بالذهاب عنه، ومرة بالاشتغال بعمل آخر؛ إذ مجلس الأكل غير مجلس المناظرة، ومجلس القتال غيرهما. هداية.
(وإن ختارت نفسها في قوله "اختاري" كانت) طلقة (واحدة بائنة) لأن اختيارها نفسها بثبوت اختصاصها بها، وذلك بالبائن؛ إذ بالرجعي يتمكن الزوج من رجعتها بدون رضاها (ولا يكون ثلاثاً وإن نوى الزوج ذلك) لأن الاختيار لا يتنوع لأنه ينبئ عن الخلوص وهو غير متنوع إلى الغلظة والخفة، بخلاف البينونة (ولابد من ذكر النفس في كلامه أو في كلامها) فلو قال لها " اختاري" فقالت " اخترت" كان لغواً، لأن قولهما " اخترت" من غير ذكر النفس في أحد كلاميهما محتمل لاختيار نفسها أو زوجها؛ فلا تطلق بالشك (وإن طلقت نفسها في قوله " طلقي نفسك" فهي) طلقة (واحدة رجعية) لأنه صريح (وإن طلقت نفسها ثلاثاً) جملة أو متفرقاً (وقد أراد الزوج ذلك وقعن عليها)، لأن الأمر يحتمل العدد وإن لم يقتضيه، فإذا نواه صحت نيته (وإن قال لها " طلقي نفسك متى شئت" فلها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده) لأن كلمة " متى" لعموم الأوقات، ولها المشيئة مرة واحدة لأنها لا تقتضي التكرار فإذا شاءت مرة وقع الطلاق، ولم يبق لها مشيئة، فلو راجعها فشاءت بعد ذلك كان لغواً، ولو قال " كلما شئت" كان لها ذلك أبداً حتى تكمل الثلاث؛ لأن " كلما" تقتضي التكرار، فكلما شاءت وقع عليها الطلاق حتى تكمل الثلاث، فإن عادت إليه بعد زوج آخر سقطت مشيئتها لزوال المحلية، وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثاً بكلمة واحدة لأنها توجب عموم الانفراد لا عموم الاجتماع، وإن قال لها " إن شئت" فذلك مقصور على المجلس، وتمامه في الجوهرة].