اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٣٣٣
(وأنت واحدة) لاحتمال أنه أراد أنت واحدة عند قومك أو منفردة عندي ليس لي معك غيرك أو نعتاً لمصدر محذوف: أي أنت طالق تطليقة واحدة، فإذا نواه جعل كأنه قاله، قال في الهداية: ولما احتملت هذه الألفاظ الطلاق وغيره تحتاج فيه إلى النية، ولا يقع إلا واحدة لأن قوله "أنت طالق" فيها مقتضى مضمر ولو كان مظهراً لا يقع به إلا واحدة فإذا كان مضمر أولى، ثم قال: ولا معتبر بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ، وهو الصحيح لأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب اهـ، وقوله "فيها مقتضى أو مضمر" يعني أن ثبوت الطلاق بهذه الألفاظ إما بطريق الاقتضاء كما في "اعتدي واستبرئي رحمك" لأن الطلاق ثبت شرعاً لا لغة، وإما بطريق الإضمار كما في قوله " أنت واحدة"؛ لأنه لما زال الإبهام بنية الطلاق ثبت الطلاق لغة على أنه مضمر فيه بحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وهذا سائغ في كلامهم، وقوله "ولا معتبر بإعراب الواحدة - الخ" احتراز عما قبل إن رفع واحدة لا يقع به شيء، لأنه صفة للمرأة، وإن نصبها وقعت واحدة لأنها صفة للمصدر، وإن سكن اعتبرت نيته كما في غاية البيان، وتمامه فيها (وبقية الكنايات) أي ما سوى الألفاظ الثلاثة المذكورة (إذا نوى بها الطلاق كانت) طلقة (واحدة بائنة) لأنها ليست كناية عن مجرد الطلاق، بل عن الطلاق على وجه البينونة؛ لأنها عوامل في حقائقها، واشترط النية لتعيين أحد نوعي البينونة دون الطلاق (وإن نوى) طلاقا (ثلاثاً كانت ثلاثاً)؛ لأن البينونة نوعان: مغلظة وهي الثلاث، ومخففة وهي الواحدة، فأيهما نوى وقعت لاحتمال اللفظ (وإن نوى اثنتين كانت) طلقة (واحدة) لأن الثنتين عدد محض، ولا دلالة عليه؛ فيثبت أدنى البينونتين وهي الواحدة (وهذا مثل قوله) لامرأته: (أنت بائن) أو (وبتة) أو (وبتلة) أو (وحرام) أو (وحبلك على غاربك) أو (والحقي) بالوصل والقطع (بأهلك) أو (وخلية) أو (وبرية) أو (وهبتك لأهلك) أو (وسرحتك) أو (وفارقتك) أو (وأنت حرة) أو (وتقنعي) أو (و تخمري) أو (واستتري) أو (واغربي) بمعجمة فمهملة، من الغربة وهي البعد، أو (واعزبي) بمهملة فمعجمة، من العزوبة وهي عدم الزواج، أو اخرجي، أو اذهبي، أو قومي، أو (وابتغي الأزواج) أو نحو ذلك (فإن لم تكن له نية لم يقع بهذه الألفاظ طلاق)؛ لأنها تحتمله وغيره، والطلاق لا يقع بالاحتمال (إلا أن يكونا): أي الزوجان (في مذاكرة الطلاق فيقع بها الطلاق) أي ببعضها، وهو: كل لفظ لا يصلح رداً لقولها وهذا (في القضاء)؛ لأن الظاهر أن مراده الطلاق، والقاضي إنما يقضي بالظاهر (ولا يقع) فيما يصلح ردا لقولها، لاحتمال إرادة الرد وهو الأدنى فيحمل عليه، ولا (فيما بينه وبين اللّه تعالى) في الجميع (لا أن ينويه)؛ لأنه يحتمل غيره (وإن لم يكونا في مذاكرة الطلاق، و) لكن (كانا في غضب أو خصومة وقع الطلاق) قضاء أيضا (بكل لفظ لا يقصد به السب والشتيمة)، لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق (ولم يقع بما يقصد به السب والشتيمة إلا أن ينويه)، لأن الحال يدل على إرادة السب والشتيمة، وبيان ذلك أن الأحوال ثلاثة: حال مطلقة وهي حالة الرضا، وحالة مذاكرة الطلاق، وحالة الغضب، والكنايات ثلاثة أقسام: قسم منها يصلح جوابا ولا يصلح رداً ولا شتما، وهي ثلاثة ألفاظ: أمرك بيدك، اختاري، اعتدي، ومرادفها، وقسم يصلح جوابا وشتما ولا يصلح رداً، وهي خمسة ألفاظ: خلية، برية، بتة، بائن، حرام، ومرادفها، وقسم يصلح جوابا ورداً ولا يصلح سباً وشتما؛ وهي خمسة أيضا: اخرجي، اذهبي، اغربي، قومي، تقنعي، ومرادفها، ففي حالة الرضا لا يقع الطلاق بشيء منها إلا بالنية، والقول قوله في عدم النية، وفي حالة مذاكرة الطلاق يقع بكل لفظ لا يصلح للرد وهو القسم الأول والثاني، وفي حالة الغضب لا يقع بكل لفظ يصلح للسب والرد وهو القسم الثاني والثالث، ويقع بكل لفظ لا يصلح لهما بل للجواب فقط وهو القسم الأول. كما في الإيضاح.
(وإذا وصف الطلاق بضرب من الزيادة والشدة كان) الطلاق (بائناً)، لأن الطلاق يقع بمجرد اللفظ، فإذا وصفه بزيادة وشدة أفاد معنى ليس في لفظه، وذلك (مثل أن يقول: أنت طالق بائن؛ أو طالق أشد الطلاق) أو (أفحش الطلاق) أو أشره أو أخبثه أو (وطلاق الشيطان) أو (البدعة) أو (كالجبل) أو (ملء البيت) أو عريضة، أو طويلة. لأن الطلاق إنما يوصف بهذه الصفة باعتبار أثره، وهي البينونة في الحال، فتقع واحدة بائنة إذا لم يكن له نية، أو نوى ثنتين في غير الأمة، أما إذا نوى الثلاث فثلاث، لما مر من قبل، ولو عنى بقوله "أنت طالق" واحدة، وبقوله "بائن" أو "البتة" أخرى يقع تطليقتان بائنتان، لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع، هداية.
(وإذا أضاف الطلاق إلى جملتها أو إلى ما يعبر به عن الجملة وقع الطلاق). وذلك (مثل أن يقول) لها: (أنت طالق، أو رقبتك طالق، أو عنقك طالق، أو روحك طالق، أو جسدك، أو بدنك، أو فرجك، أو وجهك) أو رأسك، لأن هذه الأشياء يعبر بها عن الجملة؛ فكان بمنزلة قوله أنت طالق (وكذلك إن طلق جزءا شائعاً) منها، وذلك (مثل أن يقول) لها: (نصفك أو ثلثك طالق)، لأن الجزء الشائع محل لسائر التصرفات كالبيع وغيره، فكذا يكون محلا للطلاق، إلا أنه لا يتجزأ في حق الطلاق فيثبت في الكل ضرورة (وإن قال: يدك أو رجلك طالق لم يقع الطلاق)، لإضافته إلى غير محله؛ فيلغو كما إذا أضافه إلى ريقها أو إلى ظفرها، واختلفوا في البطن والظهر، والأظهر أنه لا يعبر بهما عن جميع البدن، هداية.
(وإن طلقها نصف تطليقة أو ثلث تطليقة كانت طلقة واحدة)، لأن الطلاق لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر الكل.
(وطلاق المكره والسكران واقع) قال في الينابيع: يريد بالسكران الذي سكر بالخمر أو بالنبيذ أما إذا سكر بالبنج أو من الدواء لا يقع طلاقه بالإجماع، قال في الجوهرة: وفي هذا الزمان إذا سكر بالبنج يقع طلاقه زجراً عليه، وعليه الفتوى، ثم الطلاق بالسكر من الخمر واقع سواء شربها طوعا أو كرهاً أو مضطرا، قاله الزاهدي، كذا في التصحيح.