اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٨٩
(وإذا حضر رجل فادعى أن اللقطة له لم تدفع إليه) بمجرد دعواه، (حتى يقيم البينة) اعتباراً بسائر الدعاوى (فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه)، لأن الظاهر أنها له (ولا يجبر على ذلك في القضاء)، لأن غير المالك قد يعرف وصفها.
(ولا يتصدق) الملتقط (باللقطة على غني)، لأن المأمور به هو التصدق، والصدقة لا تكون على غني (وإن كان الملتقط غنيا لم يجز له أن ينتفع بها) لأنه ليس بمحل للصدقة (وإن كان فقيراً فلا بأس أن ينتفع بها) في خاجة نفسه، لأنه محل لها، ولأن صرفها إلى فقير آخر كان للثواب، وهو مثله، وفيه نظر للجانبين (ويجوز) للملتقط (أن يتصدق بها إذا كان غنيا على أبيه وابنه وزوجته إذا كانوا فقراء)، لأنهم محل للصدقة، وفيه نظر للجانبين.
--------------
(١) ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل إلى أن حكم اللقطة واحد، سواء أكان قد التقطها الملتقط من الحل أم كان قد التقطها من الحرم، ويروى مثل ذلك القول عن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، والمشهور من مذهبه أنه لا يحل الالتقاط من حرم مكة إلا للحفظ، وأنه يجب على من التقط شيئاً من الحرم تعريف ما التقطه حتى يجد صاحبه، وأنه تلزمه الإقامة بمكة لتعريفها؛ فإن أراد الخروج سلمها للحاكم، طالت المدة أو قصرت قالوا: والسر في ذلك أن اللّه تعالى قد جعل مكة مثابة للناس يعودون إليها المرة بعد المرة فربما عاد صاحبها من أجلها أو أرسل من يطلبها له، وقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه اللّه تعالى، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها" وفي رواية الصحيحين عن أبي هريرة أنه صلى اللّه عليه وسلم قام في الناس بعد أن فتح اللّه عليه مكة فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: "إن اللّه قد حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا تحل لأحد بعدي: لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" وقد استدل الأئمة الثلاثة على ما ذهبوا إليه بأنه عليه الصلاة والسلام قال في شأن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة".