اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٧٤
(ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانا يسكنه بنو السبيل) أي المسافرون (أو رباطا) يسكنه الفقراء (أو جعل أرضه مقبرة) لدفن الموتى (لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به حاكم)؛ لأنه لم ينقطع عن حقد العمد، ألا يرى أن له أن ينتفع به فيسكن وينزل في الرباط ويشرب من السقاية ويدفن في المقبرة، فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء، بخلاف المسجد، لأنه لم يبق له حق الانتفاع به، فخلص للّه تعالى من غير حكم الحاكم، هداية (وقال أبو يوسف: يزول ملكه بالقول) كما هو أصله، إذ التسليم عنده ليس بشرط (وقال محمد: إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك) لأن التسليم عنده شرط، والشرط تسليم نوعه، وذلك بما ذكرناه، ويكتفى بالواحد، لتعذر فعل الجنس كله، وعلى هذا البئر والحوض، ولو سلم إلى المتولي صح التسليم في هذه الوجوه، لأنه نائب عن الموقوف عليه، وفعل النائب كفعل المنوب عنه، وأما في المسجد فقد قيل: لا يكون تسليما، لأنه لا تدبير للمتولي فيه، وقيل: يكون تسليما، لأنه يحتاج إلى من يكنسه ويغلق بابه، فإذا سلم صح تسليمه إليه، والمقبرة في هذا بمنزلة المسجد على ما قيل، لأنه لا متولي له عرفا، وقد قيل: هي بمنزلة السقاية والخان، فيصح التسليم إلى المتولي، لأنه لو نصب المتولي صح وإن كان بخلاف العادة؛ هداية.
--------------
(١) الآثار الواردة في وقف المنقول كثيرة، منها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة: (أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه على الصدقات (أي ليجمع الزكاة) فمنع ابن جبل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب (أي أنهم امتنعوا عن دفع زكاتهم إلى عمر) فلما بلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه اللّه، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، وقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل اللّه، وأما العباس عم رسول اللّه فهي علي ومثلها). وروى الطبراني وابن كثير في تاريخه عن أبي وائل قال: لما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عمل أرجى عندي بعد لا إله إلا اللّه من ليلة بتها وأنا مفترش أنتظر الصبح حتى نغير على الكفار، ثم قال: إذا أنا مت فانظروا سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل اللّه. ويدخل في حكم الكراع الإبل، لأن العرب يغزون عليها، وقد ورد النص على جواز وقفها، فقد روى أن أم معقل جاءت إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول اللّه، إن أبا معقل جاء ناضحه (هو الجمل يستقي عليه) في سبيل اللّه، وإني أريد الحج، أفأركبه؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: "إركبيه فإن الحج والعمرة من سبيل اللّه" قال في الفتح: والحاصل أن وقف المنقول تبعا للعقار يجوز، وأما وقفه مقصودا: إن كان كراعا أو سلاحا جاز، وفيما سوى ذلك: إن كان مما لم يجز التعامل بوقفه كالثياب والحيوان ونحوه والذهب والفضة لا يجوز عندنا، وإن كان متعارفا - كالجنازة (السرير الذي يحمل عليه الميت) والفأس والقدوم وثياب الجنازة وما يحتاج إليه من الأواني والقدور في غسل الموتى والمصاحف - قال أبو يوسف: لا يجوز، وقال محمد: يجوز، وإليه ذهب عامة المشايخ منهم الإمام السرخسي، اهـ.
--------------------------
٣ كتاب الغصب.
- ومن غصب شيئاً مما له مثلٌ فهلك في يده فعليه ضمان مثله، وإن كان مما لا مثل له فعليه قيمته يوم الغصب، وعلى الغاصب رد العين المغصوبة؛ فإن ادعى هلاكها حبسه الحاكم حتى يعلم أنها لو كانت باقية لأظهرها، ثم قضى عليه ببدلها.