اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٦٣
(وإذا كانت التركة بين ورثة فأخرجوا أحدهم منها بمالٍ أعطوه إياه والتركة عقاراً وعروض جاز) ذلك (قليلا كان ما أعطوه أو كثيرا)؛ لأنه أمكن تصحيحه بيعاً، وفيه أثر عثمان رضي اللّه عنه؛ فإنه صالح تماضر الأشجعية امرأة عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه عن ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار. هداية. (وإن كانت التركة فضة فأعطوه ذهباً، أو) بالعكس، بأن كانت (ذهباً فأعطوه فضة فهو كذلك) جائز، سواء كان ما أعطوه قليلا أو كثيراً؛ لأن بيع الجنس بخلاف الجنس، فلا يعتبر التساوي، ولكن يعتبر تقابض البدلين في المجلس، لأنه صرف (وإن كانت التركة ذهباً وفضة وغير ذلك) من عروض أو عقار (فصالحوه على فضة أو ذهب فلابد) من (أن يكون ما أعطوه) من الذهب والفضة (أكثر من نصيبه) من التركة (من ذلك الجنس) للدفوع إليه (حتى يكون نصيبه بمثله) من المدفوع إليه (والزيادة بحقه) أي بمقابلة حقه (من بقية الميراث) احترازاً عن الربا، ولابد من التقابض فيما يقابل نصيبه، لأنه صرف في هذا القدر (وإذا كان في التركة دين على الناس فأدخلوه): أي الدين (في الصلح على أن يخرجوا المصالح عنه ويكون الدين) كله كبقية التركة (لهم فالصلح باطل) في الدين والعين معاً؛ لأن فيه تمليك لدين من غير من عليه الدين، وهو باطل، وإذا بطل في حصة الدين بطل في الكل؛ لأن الصفقة واحدة، وقد ذكر لصحته حيلة فقال: (فإن شرطوا) يعني المصالحين (أن يبرئ) المخرج (الغرماء منه) أي من حصته من الدين (ولا يرجع) بالبناء للمجهول (عليهم) أي على الغرماء (بنصيب المصالح فالصلح جائز)، لأنه إسقاط، أو هو تمليك الدين ممن عليه الدين، وهو جائز. هداية. ثم قال: وهذه حيلة الجواز، والأخرى أن يعجلوا قضاء نصيبه متبرعين، وفي الوجهين ضرر ببقية الورثة؛ فالأوجه أن يقرضوا المصالح مقدار نصيبه، ويصالحوا عما وراء الدين، ويحيلهم على استيفاء نصيبه من الغرماء، اهـ.
--------------------------
٣ كتاب الهبة.
- الهبة تصح بالإيجاب والقبول، وتتم بالقبض، فإذا قبض الموهوب له في المجلس بغير أمر الواهب جاز، وإن قبض بعد الافتراق لم تصح، إلا أن يأذن له الواهب في القبض.
وتنعقد الهبة بقوله: وهبت، ونحلت، وأعطيت، وأطعمتك هذا الطعام وجعلت هذا الثوب لك، وأعمرتك هذا الشيء، وحملتك على هذه الدابة، إذا نوى بالحملان الهبة.
ولا تجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزةً مقسومةً.
وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزةٌ.
ومن وهب شقصاً مشاعاً فالهبة فاسدةٌ، فإن قسمه وسلمه جاز.
ولو وهب دقيقاً في حنطةٍ أو دهناً في سمسمٍ فالهبة فاسدةٌ، فإن طحن وسلم لم يجز.
وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها بالهبة، وإن لم يجدد فيها قبضاً، وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبةً ملكها الابن بالعقد، فإن وهب له أجنبيٌ هبةً تمت بقبض الأب، وإذا وهب لليتيم هبةٌ فقبضها له وليه جاز، فإن كان في حجر أمه فقبضها له جائزةٌ، وكذلك إن كان في حجر أجنبيٍ يربيه فقبضه له جائزٌ.
وإن قبض الصبي الهبة بنفسه له جاز.
وإن وهب اثنان من واحدٍ داراً جاز، وإن وهب واحدٌ من اثنين داراً لم يصح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصح.
وإذا وهب هبةً لأجنبيٍ فله الرجوع فيها، إلا أن يعوضه عنها، أو تزيد زيادةً متصلةٌ، أو يموت أحد المتعاقدين، أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له، وإن وهب هبة لذي رحمٍ محرمٍ منه فلا رجوع فيها، وكذلك ما وهب أحد الزوجين للآخر.
وإذا قال الموهوب له للواهب: خذ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها، فقبضه الواهب سقط الرجوع، وإن عوضه أجنبيٌ عن الموهوب له متبرعاً فقبض الواهب العوض سقط الرجوع.
وإذا استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض، وإن استحق نصف العوض لم يرجع في الهبة.
إلا أن يرد ما بقي من العوض ثم يرجع.
ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم.
وإذا تلفت العين الموهوبة فاستحقها مستحقٌ فضمن الموهوب له لم يرجع على الواهب بشيء.
وإذا وهب بشرط العوض اعتبر التقابض في العوضين، وإذا تقابضا صح العقد وصار في حكم البيع: يرد بالعيب، وخيار الرؤية، وتجب فيه الشفعة.
والعمرى جائزةٌ للمعتمر في حال حياته، ولورثته من بعده.
والرقبى باطلةٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: جائزةٌ.
ومن وهب جاريةً إلا حملها صحت الهبة، وبطل الاستثناء.