اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٥٧
(وإذا تمت الحوالة) باستيفاء ما ذكر (برئ المحيل من الدين) على المختار وقال زفر: لا يبرأ، اعتباراً بالكفالة؛ لأن كل واحد منهما عقد توثق، ولأئمتنا أن الحوالة للنقل لغةً، والدين متى انتقل من الذمة لا يبقى فيها، بخلاف الكفالة فإنها للضم، والأحكام الشرعية وفاق المعاني اللغوية؛ والتوثق باختيار الأملأ والأحسن قضاء (ولم يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوى) بالقصر - يهلك (حقه)؛ لأن براءته مقيدة بسلامة حقه؛ إذ هو المقصود (والتوى عند أبي حنيفة أحد أمرين) فقط: (إما أن يجحد) المحال عليه (الحوالة ويحلف) على ذلك (ولا بينة) للمحتال ولا للمحيل لإثباتها (عليه، أو) بأن (يموت مفلساً)؛ لأن العجز عن الوصول إلى حقه يتحقق بكل منهما، وهو التوى حقيقة (وقالا: هذان) الأمران (ووجه ثالث، وهو: أن يحكم الحاكم بإفلاسه حال حياته) لعجزه عن الأخذ منه وقطعه عن ملازمته، ولأبي حنيفة أن الدين ثابت في ذمته، وتعذر الاستيفاء لا يوجب الرجوع، كما لو تعذر بغيبته، بخلاف موته؛ لخراب الذمة قال في التصحيح: ومشى على قوله النسفي ورجح دليله. اهـ. قال شيخنا: وظاهر كلامهم متوناً وشروحاً تصحيح قول الإمام، ولم أر من صحح قولهما. اهـ.
(وإذا طالب المحال عليه المحيل بمثل مال الحوالة) الذي أحال به عليه ودفعه إلى المحتال (فقال المحيل): إنما (أحلت بدين) كان (لي عليك؛ لم يقبل قوله): أي قول المحيل في دعوى الدين السابق (وكان عليه مثل الدين) الذي كان أحال به؛ لأن سبب الرجوع قد تحقق - وهو قضاء دينه بأمره - والحوالة ليست بإقرار بالدين نصحتها بدونه، غير أن المحيل يدعي عليه ديناً وهو منكر، والقول قول المنكر (وإن طالب المحيل المحتال بما) كان (أحاله به) مدعياً وكالته بقبضه (فقال: إنما أحلتك) أي وكلتك بالدين الذي عليه (لتقبضه لي، وقال المحتال: بل أحلتني بدين) كان (لي عليك، فالقول قول المحيل) لأن المحتال يدعي عليه الدين وهو ينكر، ولفظ الحوالة مستعمل في الوكالة فيكون القول قوله بيمينه، هداية.
(ويكره السفاتج، وهو قرض (١) استفاد به المقرض أمن خطر الطريق).
وصورته كما في الدرر: أن يدفع إلى تاجر مبلغا قرضا ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر ليستفيد به سقوط الطريق، اهـ. قال في الهداية: وهذا نوع نفع استفيد به؛ وقد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قرض جر نفعاً. اهـ.
--------------
(١) السفاتج: جمع سفتجة - بضم السين وفتح التاء بينهما فاء ساكنة - وهي الروقة قال في الجوهرة: "وصورته أن يقول التاجر: أقرضتك هذه الدراهم بشرط أن تكتب إلي كتابا إلى وكيلك ببلد كذا، فيجيبه إلى ذلك، وأما إذا أعطاه من غير شرط وسأله ذلك ففعل فلا بأس به. وإنما يكره إذا كان أمن خطر الطريق مشروطا؛ لأنه نوع نفع استفيد بالقرض. وقد نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قرض جر منفعة" اهـ. وفي الفتاوى الصغرى وغيرها "إن كان السفتج مشروطاً في القرض فهو حرام، والقرض بهذا الشرط فاسد، وإلا جاز، وصورة الشرط - كما في الواقعات - رجل أقرض رجلا مالاً على أن يكتب له به إلى بلد كذا فإنه لا يجوز، وإن أقرضه بلا شرط وكتب جاز" اهـ ومن هذا تفهم أن شرط الكراهة أو عدم الجواز شيئان: الأول: أن يدفع المال في بلده قرضا لمن يكتب له؛ فلو دفعه إليه أمانة لم يكره ولم يفسد. والثاني: أن يشترط عليه في عقد القرض أن يكتب له به إلى البلد الأخرى؛ فلو لم يشترط ذلك لم يكره.
--------------------------
٣ كتاب الصلح.