اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٤٦
(والعقود التي يعقدها الوكلاء على ضربين) وفي بعض النسخ "والعقد الذي يعقده الوكلاء" أي جنس العقد، كذا في غاية البيان، لأن الوكيل يضيف بعض العقود إلى نفسه، وبعضها إلى موكله (فكل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه): أي يصح إضافته إلى نفسه ويستغني عن إضافته إلى الموكل (مثل البيع والإجارة) ونحوهما (فحقوق ذلك العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل)، لأن الوكيل في هذا الضرب هو العاقد: حقيقة، لأن العقد يقوم بكلامه، وحكما، لأنه يستغني عن إضافة العقد إلى موكله، وحيث كان كذلك كان أصيلا في الحقوق فتتعلق به (فيسلم المبيع، ويقبض الثمن) إذا باع (ويطالب بالثمن إذا اشترى، ويقبض المبيع)، لأن ذلك من الحقوق، والملك يثبت للموكل خلافةً عنه اعتباراً للتوكيل السابق (و) كذا (يخاصم بالعيب) إن كان المبيع في يده، أما بعد التسليم إلى الموكل فلا يملك رده إلا بإذنه (وكل عقد يضيفه) الوكيل (إلى موكله): أي لا يستغني عن الإضافة إلى موكله، حتى لو أضافه إلى نفسه لا يصح، كذا في المجتبى، وذلك (كالنكاح والخلع والصلح من دم العمد) ونحو ذلك (فإن حقوقه تتعلق بالموكل) لإضافة العقد إليه (دون الوكيل)، لأنه في هذا الضرب سفير محض، ولذا لا يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل، فكان كالرسول، وفرع على كونه سفيراً محضاً بقوله: (فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها) للزوج، لما قلنا من أنه سفير (وإذا طالب الموكل) بالبيع (المشتري بالثمن فله): أي المشتري (أن يمنعه إياه)، لأنه أجنبي عن العقد وحقوقه، لأن الحقوق إلى العاقد (فإن دفعه): أي دفع المشتري الثمن (إليه) أي الموكل (جاز)، لأن نفس الثمن المقبوض حقه (ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً) لعدم الفائدة، لأنه لو أخذ منه لوجب الإعادة.
(ومن وكل رجلا بشراء شيء فلابد) لصحة وكالته (من تسمية جنسه): أي جنس ما وكله به كالجارية والعبد (وصفته) أي نوعه كالتركي والحبشي (أو جنسه ومبلغ ثمنه)، ليصير الفعل الموكل به معلوما فيمكنه الائتمار (إلا أن يوكله وكالة عامة فيقول: ابتع لي ما رأيت) لأنه فوض الأمر إلى رأيه فأي شيء يشتريه يكون ممتثلا، والأصل أن الجهالة اليسيرة تتحمل في الوكالة كجهالة الوصف استحساناً، لأن مبنى التوكيل على التوسعة لأنه استعانة فتتحمل الجهالة اليسيرة. هداية. ثم الجهالة في التوكيل ثلاثة أنواع: فاحشة، وهي جهالة الجنس كالثوب والدابة والرقيق، وهي تمنع صحة الوكالة وإن بين الثمن؛ لأن الوكيل لا يقدر على الامتثال، لأن بذلك الثمن يوجد من كل جنس، وجهالة يسيرة، وهي جهالة النوع كالحمار والفرس والثوب الهروي، وهي لا تمنع صحة الوكالة وإن لم يبين الثمن، وجهالة متوسطة بين الجنس والنوع كالعبد والأمة والدار، فإن بين الثمن أو النوع تصح وتلحق بجهالة النوع، و"إن لم يبين واحداً منها فلا تصح وتلحق بجهالة الجنس، فيض عن الكافي. ويؤخذ من كلام المصنف (وإذا اشترى الوكيل) ما وكل بشرائه (وقيض المبيع) أي المشتري (ثم اطلع على عيب) فيه (فله): أي للوكيل (أن يرده بالعيب ما دام المبيع في يده) لتعلق الحقوق به (فإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه)، لانتهاء حكم الوكالة بالتسليم.
(ويجوز التوكيل بعقد الصرف والسلم) لأنه عقد يملكه بنفسه فيملك التوكيل به على ما مر، ومراده التوكيل بالإسلام دون قبول السلم؛ فإن ذلك لا يجوز؛ فإن الوكيل يبيع طعاما في ذمته على أن يكون الثمن لغيره، وهذا لا يجوز. هداية. ثم العبرة بمفارقة الوكيل (فإن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض) لبدله (بطل العقد)؛ لوجود الافتراق من غير قبض (ولا تعتبر مفارقة الموكل) ولو حاضراً كما في البحر، خلافا للعيني؛ لأنه ليس بعاقد.