اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٤٥
وقد صدر المصنف بضابط ما يصح فيه التوكيل؛ فقال: (كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره) لأنه ربما يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال؛ فيحتاج أن يوكل غيره؛ فيكون بسبيل منه دفعاً لحاجته (ويجوز التوكيل بالخصومة) من غير استيفاء (في سائر الحقوق، و) كذا (بإثباتها) أي: إثبات سائر الحقوق، تمكينا له من استيفاء حقوقه، قال الإسبيجاني: وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يجوز في إثبات الحد والقصاص والخصومة فيه، وقول محمد مضطرب والأظهر أنه مع أبي حنيفة، والصحيح قولهما، تصحيح (ويجوز التوكيل) أيضا (بالاستيفاء) والإيفاء لسائر الحقوق (إلا في الحدود والقصاص؛ فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غيبة الموكل عن المجلس)؛ لأنها تندرئ بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة حال غيبته، بخلاف حالة الحضرة لانتفاء الشبهة (وقال أبو حنيفة لا يجوز): أي لا يلزم (التوكيل بالخصومة) سواء كان من قبل الطالب أو المطلوب (إلا برضا الخصم) ويستوي فيه الشريف والوضيع، والرجل والمرأة، والبكر والثيب (إلا أن يكون الموكل مريضاً) لا يمكنه حضور مجلس الحكم بقدميه، ابن كمال (أو غائباً مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً) أو مريداً سفرا، أو مخدرة لم تجر عادتها بالبروز وحضور مجلس الحكم. هداية. قال في التصحيح: واختار قوله المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل الموصلي، ورجح دليله في كل صنف. اهـ (وقالا: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم) وبه أخذ أبو القاسم الصفار وأبو الليث، وفي فتاوى العتابي أنه المختار، وفي مختارات النوازل لصاحب الهداية: والمختار في هذه المسألة أن القاضي إذا علم التعنت من الآبى يقبل توكيله من غير رضاه، وإذا علم أن الموكل قصد إضرار خصمه لا يقبل، اهـ. ومثله في قاضيخان عن شمس الأئمة السرخسي وشمس الأئمة الحلواني، وفي الحقائق: وإليه مال الأوزجندي، كذا في التصحيح ملخصا. وفي الدرر: وعليه فتوى المتأخرين.
(ومن شرط) صحة (الوكالة: أن يكون الموكل ممن يملك التصرف)؛ لأن الوكيل إنما يملك التصرف من جهته؛ فلابد من كونه مالكا لما يملكه لغيره (وتلزمه الأحكام) قال في العناية: يحتمل أحكام ذلك التصرف وجنس الأحكام؛ فالأول احتراز عن الوكيل إذا وكل فإنه يملك ذلك التصرف دون التوكيل به؛ لأنه لم تلزمه الأحكام وهي الملك، وعلى هذا يكون في الكلام شرطان، والثاني احتراز عن الصبي والمجنون، ويكون ملك التصرف ولزوم الأحكام شرطاً واحداً، وهذا أصح؛ لأن الوكيل إذا أذن له بالتوكيل صح ولم تلزمه أحكام ذلك التصرف (و) أن يكون (الوكيل ممن يعقل العقد): أي يعقل معناه من أنه سالبٌ بالنسبة إلى كل من المتعاقدين وجالب له؛ فيسلب عن البائع ملك المبيع ويجلب له ملك البدل، وفي المشتري العكس (و) أن يكون بحيث (يقصده) لفائدته من السلب والجلب، حتى لو كان صبيا لا يعقل أو مجنوناً كان التوكيل باطلا، وما قيل من أن قوله "ويقصده" احتراز عن الهازل رده ابن الهمام.
(ثم فرع على ما أصله بقوله: (وإذا وكل الحر البالغ أو المأذون) عبداً كان أو صغيراً (مثلهما جاز)؛ لأن الموكل مالك للتصرف، والوكيل من أهل العبارة (وإن وكلا): أي الحر البالغ أو المأذون (صبيا محجوراً) وهو (يعقل البيع والشراء أو عبداً محجوراً جاز) أيضاً لما قلناه (و) لكن (لا تتعلق بهما الحقوق)؛ لأنه لا يصح منهما التزام العهدة، لقصور أهلية الصبي وحق سيد العبد (و) إنما (تتعلق بموكليها)، لأنه لما تعذر رجوعها إلى العاقد رجعت إلى أقرب الناس إلى هذا التصرف، وهو الموكل، إلا أن الحقوق تلزم العبد بعد العتق، لأن المانع حق المولى وقد زال، ولا يلزم الصبي بعد البلوغ، لأن المانع حقه، وحق الصبي لا يبطل بالبلوغ، كذا في الفيض.