اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٤١
(وليس للمضارب أن يشتري أبا رب المال ولا ابنه ولا من يعتق عليه): أي على رب المال، لأن عقد المضاربة وضع لتحصيل الربح، وهو إنما يكون بشراء ما يمكن بيعه، وهذا ليس كذلك (فإن اشتراهم كان مشتريا لنفسه دون المضاربة) لأن الشراء متى وجد نفاذا على المشتري نفذ عليه، كالوكيل بالشراء إذا خالف (وإن كان في المال ربح فليس له): أي المضارب (أن يشتري من يعتق عليه)، لأنه يعتق عليه نصيبه ويفسد نصيب رب المال (فإذا اشتراهم ضمن مال المضاربة) لأنه يصير مشتريا لنفسه، فيضمن بالنقد من مال المضاربة (وإن لم يكن في المال ربح جاز أن يشتريهم)، لأنه لا مانع من التصرف؛ إذ لا شركة فيه ليعتق عليه (فإن زادت قيمتهم) بعد الشراء (عتق نصيبه منهم) لملكه بعض قريبه (ولم يضمن لرب المال شيئاً)، لأنه لا صنع من جهته في زيادة القيمة ولا في ملكه الزيادة؛ لأن هذا شيء يثبت من طريق الحكم فصار كما إذا ورثه مع غيره (ويسعى المعتق لرب المال في قيمة نصيبه) أي رب المال (منه): أي المعتق، لاحتباس ماليته عنده (وإذا دفع المضارب المال) لآخر (مضاربة ولم يأذن له رب المال في ذلك لم يضمن) المضارب الأول (إلى المضارب الثاني (ولا يتصرف المضارب الثاني) من غير أن يربح، بل (حتى يربح)، لأنه مالم يربح بمنزلة الوكيل وللمضارب التوكيل (فإذا ربح) المضارب الثاني (ضمن المضارب الأول المال) لرب المال، قال في الهداية: وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وقالا: إذا عمل به ضمن ربح أو لم يربح، وهو ظاهر الرواية، قال الإسبيجاني: قال صاحب الكتاب "ضمن المضارب الأول" والمشهور من المذهب أن رب المال بالخيار: إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني في قولهم جميعاً، اهـ تصحيح (وإذا دفع) رب المال (إليه المال مضاربة بالنصف وأذن له أن يدفعها) إلى غيره (مضاربة فدفعها) إلى غيره (بالثلث) جاز، لوجود الإذن من المالك (فإن كان رب المال قال له) في اشتراط الربح (على أن ما رزق اللّه تعالى) أو ما كان من فضل فهو (بيننا نصفان فلرب المال نصف الربح) عملا بشرطه (وللمضارب الثاني ثلث الربح) لأنه المشروط له (و) للمضارب (الأول) الباقي، وهو (السدس) لأن رب المال شرط لنفسه نصف جميع ما رزق اللّه تعالى، فلم يبقى للأول إلال النصف، فينصرف تصرفه إلى نصيبه، وقد جعل من ذلك بقدر ثلث الجميع للثاني فيأخذه، فلم يبق للأول إلا السدس (وإن كان قال) رب المال للمضارب الأول (على أن ما رزقك اللّه تعالى): أي ما حصل لك من الربح فهو (بينا نصفان فللمضارب الثاي الثلث) لما مر (وما بقي) وهو الثلثان (بين رب المال والمضارب الأول نصفان)، لأنه فوض إليه التصرف، وجعل لنفسه نصف ما رزق الأول، وقد رزق الأول الثلثين فيكون بينهما (فإن) كان (قال على أن ما رزق اللّه تعالى فلي نصفه) أو ما كان من فضل فبيني وبينك نصفان (فدفع المال إلى آخر مضاربة بالنصف فللثاني نصف الربح) لأنه المشروط له (ولرب المال النصف، ولا شيء للمضارب الأول)؛ لأنه شرط للثاني النصف فيستحقه، وقد جعل رب المال لنفسه نصف مطلق الربح، فلم يبق للأول شيء (فإن) كان (شرط) المضارب الأول (للمضارب الثاني ثلثي الربح فلرب المال نصف الربح) لما مر (وللمضارب الثاني) الباقي، وهو (نصف الربح، ويضمن المضارب الأول للمضارب الثاني سدس الربح): أي مثله (من ماله)؛ لأنه شرط للثاني شيئاً هو مستحقٌ لرب المال فلم ينفذ في حقه لما فيه من الإبطال، والتسمية في نفسها صحيحة، فيلزم الوفاء بأداء المثل.
(وإذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة)؛ لأنها توكيل على ما مر وموت الموكل أو الوكيل يبطل الوكالة (وإن ارتد رب المال عن الإسلام) والعياذ باللّه تعالى (ولحق بدار الحرب) وحكم بلحوقه (بطلت المضاربة) أيضاً؛ لزوال ملكه وانتقاله لورثته فكان كالموت، وما لم يحكم بلحوقه فهي موقوفة، فإن رجع مسلماً لم تبطل، قيد برب المال لأنه لو كان المضارب هو المرتد فالمضاربة على حالها؛ لأن عبارته صحيحة، ولا توقف في ملك رب المال.
(وإن عزل رب المال المضارب) عن المضاربة (ولم يعلم) المضارب (بعزله): أي عزل نفسه (حتى اشترى وباع فتصرفه) الصادر قبل العلم (جائز)؛ لأنه توكيل من جهته، وعزل الوكيل قصداً يتوقف على علمه (وإن علم بعزله والمال عروض) هو هنا: ما كان خلاف جنس رأس المال، فالدراهم والدنانير هنا جنسان (فله أن يبيعها ولا يمنعه العزل من ذلك) البيع؛ لأن له حقا في الربح، ولا يظهر ذلك إلا بالعقد فيثبت له حق البيع ليظهر ذلك (ثم لا يجوز) له (أن يشتري بثمنها شيئاً آخر)؛ لأن العزل إنما يعمل والمال عروض ضرورة معرفة رأس المال، وقد اندفعت بصيرورته نقداً فعمل العزل (وإن عزله ورأس المال دراهم أو دنانير قد نضت) أي: تحولت عيناً بعد أن كانت متاعا، صحاح (فليس له أن يتصرف فيها) لما قلنا، قال في الهداية: وهذا الذي ذكره إذا كان من جنس رأس المال، فإن لم يكن - بأن كان دراهم ورأس المال دنانير، أو على العكس - له أن يبيعها بجنس رأس المال استحساناً؛ لأن الربح لا يظهر إلا به وصار كالعروض. اهـ. وقد أشرنا إليه.
(وإذا افترقا وفي المال ديون و) كان (قد ربح المضارب فيه): أي المال (أجبره الحاكم على اقتضاء الديون)؛ لأنه بمنزلة الأجير، فإن الربح كالأجر له (وإن لم يكن) في المال (ربح لم يلزمه الاقتضاء)؛ لأنه وكيل محض، وهو متبرع، والمتبرع لا يجبر على إيفاء ما تبرع به (و) لكن (يقال له): أي للمضارب (وكل رب المال في الاقتضاء)؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، والمالك ليس بعاقد، فلا يتمكن من الطلب إلا بتوكيله، فيؤمر بالتوكيل كيلا يضيع حقه.