اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢٢٦
(وإذا علم الشفيع بالبيع) من المشتري أو رسوله أو عدلٍ أو عددٍ (أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة) وهو طلب المواثبة، والإشهاد فيه ليس بلازم؛ وإنما هو لنفي التجاحد، والتقييد بالمجلس إشارة إلى ما اختاره الكرخي، قال في الهداية: اعلم أن الطلب على ثلاثة أوجه: طلب المواثبة، وهو أن يطلبها كما علم، حتى لو بلغه البيع، ولم يطلب بطلت شفعته، حتى لو أخبر بكتاب والشفعة في أوله أو في وسطه فقرأ الكتاب إلى آخره بطلت شفعته، وعلى هذا عامة المشايخ، وهو رواية عن محمد، وعنه أن له مجلس العلم، والروايتان في النوادر، وبالثانية أخذ الكرخي؛ لأنه لما ثبت له خيار التملك لابد من زمان التأمل كما في المخيرة، اهـ. قال في الحقائق: والطلب على الفور، وهكذا روى عن أبي حنيفة، وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، تصحيح، لكن ظاهر المتون وكافي الحاكم أن له مجلس العلم، ولذا قال في الإيضاح: إنه الأصح، فتنبه (ثم ينهض منه): أي مجلسه بعد طلب المواثبة (فيشهد على البائع إن كان المبيع في يده): أي لم يسلم إلى المشتري (أو) يشهد (على المبتاع) أي المشتري وإن لم يكن ذايد لأنه مالك (أو عند العقار)؛ لأن الحق متعلق به، قيد الشهادة على البائع بما إذا كان العقار في يده لأنه إذا لم يكن ذايد لم يصح اشهاد عليه لخروجه عن أن يكون خصما إذ لا يد له ولا ملك، فصار كالأجنبي. وصورة هذا الطلب أن يقول: إن فلاناً اشترى هذه الدار وأنا شفيعها، وقد كنت طلبت الشفعة وأطلبها الآن، فاشهدوا على ذلك (فإذا فعل ذلك) المذكور (استقرت شفعته ولم تسقط) بعده (بالتأخير عند أبي حنيفة) وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأن الحق متى ثبت واستقر لا يسقط إلا بالإسقاط: وهو التصريح بلسانه كما في سائر الحقوق، وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى، هداية. قال في العزمية: وقد رأيت فتوى المولى أبي السعود على هذا القول (وقال محمد: إن تركها شهراً بعد الإشهاد) من غير عذر (بطلت شفعته)؛ لأنه لو لم تسقط بتأخير الخصومة أبداً يتضر به المشتري؛ لأن لا يمكنه التصرف حذر نقضه من جهة الشفيع، فقدرناه بشهر؛ لأنه آجل وما دونه عاجل. هداية. قال في التصحيح - بعدما نقل عبارة الهداية من أن قول أبي حنيفة هو ظاهر المذهب وعليه الفتوى - قلت: واعتمده النسفي كذلك، لكن صاحب الهداية خالف هذا في مختارات النوازل، فقال: وعن محمد إذا تركها شهراً بعد الإشهاد بطلت شفعته، وهو قول زفر، والفتوى على قوله، اهـ. قلت: وقد وقع نظير ذلك للحسام الشهيد فقال في الواقعات: لا تبطل أبداً، وبه نأخذ، وقال في الصغرى: والفتوى اليوم على قولهما، فيحمل على الرجوع إلى هذا، واللّه أعلم. ثم نقل الإفتاء به عن قاضيخان والذخيرة وشيخ الإسلام والخلاصة والمحيط والاختيار والتتمة والتحفة والمحبوبي وصدر الشريعة، اهـ. وفي الجوهرة: وقال في المستصفى: والفتوى على قول محمد، اهـ. وفي الشرنبلالية عن البرهان: إنه أصح ما يفتى به، ثم قال: يعني به أصح من تصحيح الهداية والكافي، وتمامه فيها، وعزاه في القهستاني إلى المشاهير كالمحيط والخلاصة والمضمرات وغيرها، ثم قال: فقد أشكل ما في الهداية والكافي. اهـ. وقال في شرح المجمع: وفي الجامع الخاني: والفتوى اليوم على قول محمد؛ لتغير أحوال الناس في قصد الإضرار، اهـ وقد سمعت ما مر عن الحسام الشهيد من قوله: والفتوى اليوم على قولهما، وقال العلامة قاسم: فيحمل على الرجوع إلى هذا، وبه ظهر أن إفتاءهم بخلاف ظاهر الرواية لتغير الزمن فيترجح على ظاهر الرواية؛ وإن كان مصححاً أيضا كما هو مقرر.
(والشفعة واجبة في العقار) وما في حكمه كالعلو وإن لم يكن طريقه في السفل؛ لأنه التحق بالعقار بماله من حق. درر (وإن كان) العقار (مما لا يقسم) لوجود سببها، وهو الاتصال في الملك، والحكمة دفع ضرر سوء الجوار، وهو ينتظم القسمين (ولا شفعة في) المنقول مثل (العروض والسفن)؛ لأنها إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار، وهو على الدوام، والملك المنقول لا يدوم حسب دوامه في العقار، فلا يلحق به. هداية، ثم قال: وفي بعض نسخ الختصر "ولا شفعة في البناء، والنخل إذا بيعت دون العرصة" وهو صحيح مذكور في الأصل، لأنه لا قرار له فكان نقليا، وهذا بخلاف العلو، حيث يستحق بالشفعة، ويستحق به الشفعة في السفل إذا لم يكن طريق العلو فيه، لأنه بما له من حق القرار التحق بالعقار. اهـ. قيدنا إذا لم يكن طريق العلو فيه لأنه إذا كان طريق العلو فيه يكون شريكا في الطريق.
(والمسلم والذمي في) استحقاق (الشفعة سواء)؛ لأنهما مستويان في السبب والحكمة؛ فيستويان في الاستحقاق.
(وإذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت فيه الشفعة) لأنه أمكن مراعاة شرط الشرع فيه، وهو التملك بمثل ما تملك المشتري صورة أو قيمة، هداية. وعبر بالملك دون البيع ليعم الهبة بشرط العوض لأنها مبادلة مال بمال، ولما كان التعبير بالملك يعم الأعواض المالية وغيرها احترز عن الأعواض التي ليست بمال فقال: (ولا شفعة في الدار) (التي يتزوج الرجل عليها، أو) الدار التي (يخالع المرأة بها، أو يستأجر بها داراً) أو غيرها (و يصالح بها عن دم عمد، أو يعتق عليها عبداً)؛ لأن الشفعة إنما تجب في مبادلة المال بالمال، وهذه الأعواض ليست بمال؛ فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع وقلب الموضوع، قيد الصلح عن الدم بالعمد لأن الخطأ عوضه مال فتجب فيه الشفعة (أو يصالح عليها بإنكار أو سكوت) قال في الهداية: هكذا ذكر في أكثر نسخ المختصر، والصحيح "عنها" مكان "عليها" لأنه إذا صالح عنها بإنكار يزعم أنها لم تزل عن ملكه وإنما افتدى يمينه (فإن صالح عنها بإقرار وجبت فيها الشفعة)؛ لأنه معترف بالملك للمدعى وإنما استفاده بالصلح، وهو مبادلة مالية، أما إذا صالح عليها بإقرار أو سكوت أو إنكار وجبت الشفعة في جميع ذلك؛ لأنه أخذها عوضاً عن حقه في زعمه إذا لم يكن من جنسه؛ فيعامل بزعمه، هداية.