اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ٢١٠
(وعليه ديون) لزمته (في صحته) سواء علم سببه أو بإقراره (و) عليه أيضا (ديون لزمته في مرضه) لكن (بأسباب معلومة) كبدل ما ملكه أو أهلكه أو مهر مثل امرأة نكحها (فدين الصحة والدين المعروف بالأسباب مقدم) على ما أقر به في مرضه؛ لأن الإقرار لا يعتبر دليلا إذا كان فيه إبطال حق الغير، وفي إقرار المريض ذلك، لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال استيفاء، ولهذا منه من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث، وإنما تقدم المعروفة الأسباب لأنه لا تهمة في ثبوتها، لأن المعاين لا مرد له، ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض؛ لأن في إيثار البعض إبطال حق الباقين إلا إذا قضى ما استقرضه في مرضه أو نقد ثمن ما اشتراه فيه (فإذا قضيت): أي ديون الصحة والديون المعروفة الأسباب (وفضل شيء) عنها (كان) ذلك الفاضل مصروفاً (فيما أقر به حال المرض)؛ لأن الإقرار في ذاته صحيح، وإنما رد في حق غرماء الصحة، فإذا لم يبق لهم حق ظهرت صحته (وإن لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره) لأنه لم يتضمن إبطال حق الغير (وكان المقر له أولى من الورثة)؛ لأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية، وحق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ (وإقرار المريض لوارثه) بدين أو عين (باطل) لتعلق حق الورثة بماله في مرضه، وفي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين (إلا أن يصدقه فيه بقية الورثة)؛ لأن المانع تعلق حقهم في التركة، فإذا صدقوه زال المانع (ومن أقر لأجنبي في مرضه ثم قال: هو ابني) وصدقه المقر له، وكان بحيث يولد لمثله، كما يأتي قريباً (ثبت نسبه) منه وبطل إقراره له، لأن دعوى النسب تستند إلى وقت العلوق، فتبين أنه أقر لابنه فلا يصح (ولو أقر لأجنبية ثم تزوجها لم يبطل إقراره لها) لأن الزوجية تقتصر على زمان التزوج؛ فبقي إقراره لأجنبية (ومن طلق زوجته في مرضه ثلاثاً) أو أقل بسؤالها (ثم أقر لها بدين ومات) وهي في العدة (فلها الأقل من الدين) الذي أقر به (ومن ميراثها منه) لأنهما متهمان في ذلك، لجواز أن يكون توصلا بالطلاق إلى تصحيح الإقرار، فيثبت أقل الأمرين. قيدنا بسؤالها ودوام عدتها لأنه بغير سؤالها يكون فارا فلها الميراث بالغاً ما بلغ ويبطل الإقرار، وإذا انقضت عدتها قبل موته ثبت إقراره ولا ميراث لها.
(ومن أقر بغلام) يعبر عن نفسه، و (يولد مثله لمثله، وليس له) أي الغلام (نسب معروف أنه ابنه وصدقه الغلام) في دعواه (ثبت نسبه، وإن كان) المقر (مريضاً، ويشارك) الغلام المقر له (الورثة في الميراث) لأنه بثبوت نسبه صار كالمعروف النسب، فيشاركهم. وشرط كونه يولد مثله لمثله كيلا يكون مكذبا ظاهراً، وأن لا يكون معروف النسب لأن معروف النسب يمتنع ثبوته من غيره، وشرط تصديقه لأنه في يد نفسه إذ المسألة في غلام يعبر عن نفسه، حتى لو كان صغيراً لا يعبر عن نفسه لم يعتبر تصديقه.
(ويجوز إقرار الرجل بالوالدين والولد والزوجة والمولى)، لأنه إقرار بما يلزمه، وليس فيه تحميل النسب على الغير (ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج والمولى) لما بينا (ولا يقبل) إقرارها إذا كانت ذات زوجٍ أو معتدة منه (بالولد) لأن فيه تحميل النسب على الغير وهو الزوج؛ لأن النسب منه (إلا أن يصدقها الزوج) لأن الحق له (أو تشهد بولادتها) امرأة (قابلة) أو غيرها، لأن قول المرأة الواحدة في الولادة مقبول، قال الأقطع: فتثبت الولادة بشهادتها، ويلتحق النسب بالفراش. اهـ
قيدنا بذات الزوج أو المعتدة منه لأنها إذا لم تكن كذلك صح مطلقاً، وكذا إذا كانت كذلك وادعت أنه من غيره، قال في الهداية: ولابد من تصديق هؤلاء، يعني الوالدين والولد والزوج والزوجة والمولى؛ لما مر أنهم في أيدي أنفسهم، فيتوقف نفاذ الإقرار على تصديقهم، وقدمنا أن هذا في غير الولد الذي لا يعبر عن نفسه، لأنه بمنزلة المتاع فلا يعتبر تصديقه.
(ومن أقر بنسب من غير) هؤلاء المذكورين من (الوالدين والولد والزوج والزوجة والمولى، مثل الأخ والعم) والجد وابن الابن (لم يقبل إقراره في النسب) وإن صدقه المقر له، لأن فيه حمل النسب على الغير (فإن كان له): أي المقر (وارث معروف) نسبه (قريب أو بعيد فهو أولى بالميراث من المقر له)؛ لأنه لما لم يثبت نسبه منه لم يزاحم الوارث المعروف النسب (وإن لم يكن له وارث) معروف (استحق المقر له ميراثه)، لأن له ولاية التصرف في مال نفسه عند عدم الوارث، فيستحق جميع المال وإن لم يثبت نسبه (ومن مات أبوه فأقر بأخ لم يثبت نسب أخيه) وإن صدقه (و) لكنه (يشاركه في الميراث) لأن إقراره تضمن شيئين: حمل النسب على الغير، ولا ولاية له عليه فلا يثبت، والاشتراك في المال، وله فيه ولاية فيثبت.
--------------