اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٨٣
(الربا) لغة: مطلق الزيادة، وشرعاً: فضلٌ خالٍ عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة، كما أشار إلى ذلك بقوله: هو (محرم في كل مكيل أو موزون) ولو غير مطعوم ومقتات ومدخر (إذا بيع بجنسه متفاضلا؛ فالعلة فيه الكيل مع الجنس، أو الوزن مع الجنس) قال في الهداية: ويقال: القدر مع الجنس، وهو أشمل، اهـ. يعني يشمل الكيل والوزن معاً (فإذا بيع المكيل أو الموزون بجنسه مثلا بمثل جاز البيع)؛ لوجود شرط الجواز، وهو المماثلة في المعيار (وإن تفاضلا) أو كان فيه نساء (لم يجز) لتحقق الربا (ولا يجوز بيع الجيد بالردئ مما) يثبت (فيه الربا إلا مثلا بمثل)؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما يثبت فيه الربا لا قيمة لها، جوهرة. قيدنا بما يثبت فيه الربا لإخراج ما لا يدخل تحت القدر كحفنة بحفنتين وتفاحة بتفاحتين وفلس بفلسين وذرة من ذهب وفضة مما لا يدخل تحت الوزن بمثليها بأعيائهما؛ فإنه يجوز التفاضل لفقد القدر، ويحرم النساء لوجود الجنس؛ فلو انتفى الجنس أيضاً حل مطلقاً، لعدم العلة (فإذا عدم الوصفان) أي (الجنس والمعنى والمضموم إليه) من الكيل أو الوزن (حل التفاضل والنساء) بالمد لا غير - التأخير، مغرب؛ لعدم العلة المحرمة، والأصل فيه الإباحة، هداية (وإذا وجدا حرم التفاضل والنساء) لوجود العلة (وإن وجد أحدهما): أي القدر وحده، أو الجنس وحده (وعدم الآخر حل التفاضل، وحرم النساء) ولو مع التساوي، واستثنى في المجمع والدرر إسلام النقود في موزون لئلا ينسد أكثر أبواب السلم، وحرر شيخنا تبعاً لغيره أن المراد بالقدر المحرم القدر المتفق، بخلاف النقود المقدرة بالصنجات مع المقدرة بالأمنان والأرطال (وكل شيء نص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على تحريم التفاضل فيه كيلا فهو مكيل أبداً): أي (وإن ترك الناس الكيل فيه، مثل) الأشياء الأربعة المنصوص عليها (الحنطة والشعير والتمر والملح)؛ لأن النص أقوى من العرف، والأقوى لا يترك بالأدنى، فلو باع شيئاً من هذه الأربعة بجنسها متساويا وزناً لا يجوز، وإن تعورف ذلك لعدم تحقق المساواة فيما هو مقدر فيه (وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنا فهو موزون أبداً): أي وإن ترك الناس الوزن فيه (مثل) الاثنين الآخرين (الذهب والفضة) فلو باع أحدهما بجنسه متساويا كيلا لا يجوز وإن تعورف، كما مر (وما لم ينص عليه) كغير الأشياء الستة المذمورة (فهو محمول على عادات الناس)، لأنها دلالة ظاهرة، وعن الثاني اعتبار العرف مطلقاً؛ لأن النص على ذلك لمكان العادة وكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت، وخرج عليه سعدي أفندي استقراض الدراهم عدداً، وكذا قال العلامة البركوي في أواخر الطريقة: إنه لا حيلة له فيه إلا التمسك بالرواية الضعيفة عن أبي يوسف، لكن ذكر شارحها العارف سيدي عبد الغني ما حاصله: أن العمل بالضعيف مع وجود الصحيح لا يجوز، ولكن نقول: إذا كان الذهب والفضة مضروبين فذكر العدد كناية عن الوزن اصطلاحا، لأن لهما وزناً مخصوصا ولذا نقش وضبط، والنقصان الحاصل بالقطع أمر جزئي لا يبلغ المعيار الشرعي، اهـ. وتمامه هناك.
(وعقد الصرف) وهو (ما وقع على جنس الأثمان) من ذهب وفضة (يعتبر) أي يشترط (فيه): أي في صحته (قبض عوضيه في المجلس): أي قبل الافتراق بالأبدان، وإن اختلف المجلس، حتى لو عقدا عقد الصرف ومشيا فرسخا ثم تقابضا وافتراقا صح، فتح (وما سواه) أي سوى جنس الأثمان (مما) يثبت (فيه الربا يعتبر فيه التعيين، ولا يعتبر): أي لا يشترط (فيه التقابض) لتعيينه؛ لأن غير الأثمان يتعين بالتعيين.
(ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق) من الحنطة (ولا بالسويق) منها، وهو المجروش، ولا بيع الدقيق بالسويق، ولا الحنطة المقلية بغيرها، بوجه من الوجوه، لعدم التسوية، لأن المعيار في كل من الحنطة والدقيق والسويق الكيل، وهو لا يوجب التسوية بينهما؛ لأنها - بعرض التكسير - صارت أجزاؤها متكثرة في الكيل، والقمح ليس كذلك، فلا تتحقق المساواة؛ فيصير كبيع الجزاف. ويجوز بيع الدقيق بالدقيق والسويق بالسويق إذا تساويا نعومة وكيلا.