اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٧
(ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو) كان (خارج المصر) و (بينه وبين المصر) الذي فيه الماء (نحو الميل ) هو المختار في المقدار، هداية واختيار. ومثله كان في المصر بينه وبين الماء هذا المقدار، لأن الشرط هو العدم، فأينما تحقق جاز التيمم بحر عن الأسرار، وإنما قال "خارج المصر"، لأن المصر لا يخلو عن الماء، والميل في اللغة: منتهى مد البصر، وقيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال، لأنها بنيت كذلك كما في الصحاح، والمراد هنا أربعة آلاف خطوة المعبر عنها بثلث فرسخ (قال بعضهم: أن يكون بحيث لا يسمع الآذان، وقيل: إن كان الماء أمامه فميلان، وإن كان خلفه أو يمينه أو يساره فميل، وقال زفر: إن كان بحال يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجوز له التيمم، وإلا فيجوز وإن قرب، وعن أبي يوسف: إن كان بحيث إذا ذهب إليه وتوضأ تذهب القافلة وتغيب عن بصره يجوز له التيمم جوهرة وإنما قال (أو أكثر) لأن المسافة المذكورة إنما تعرف بالحزر والظن، فلو كان في ظنه نحو الميل أو أقل لا يجوز، وإن كان نحو الميل أو أكثر جاز، ولو تيقن أنه ميل جاز. جوهرة (أو كان يجد الماء إلا أنه مريض) يضره استعمال الماء (فخاف) بغلبة الظن أو قول حاذق مسلم (إن استعمل الماء اشتد) أو امتد (مرضه، أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء) البارد (أن يقتله البرد أو يمرضه، فإنه يتيمم بالصعيد) قال في الجوهرة: هذا إذا كان خارج المصر إجماعا وكذا في المصر أيضاً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما وقيد بالغسل: لأن المحدث في المصر إذا خاف من التوضؤ الهلاك من البرد يجوز له التيمم إجماعاً على الصحيح كذا في المستصفى اهـ. والصعيد: اسم لوجه الأرض، سمى به لصعوده.
(والتيمم ضربان) وهما ركنان (يمسح بإحداهما) مستوعباً (وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين) أي: معهما، قال في الهداية: ولابد من استيعاب في ظاهر الرواية لقيامه مقام الوضوء، ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح. اهـ. (والتيمم من الجنابة) والحيض والنفاس (والحدث سواء) فعلا ونية. جوهرة.
(ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللّه بكل ما كان من جنس الأرض) غير منطبع ولا مترمد (كالتراب) قدمه لأنه مجمع عليه (والرمل والحجر والجص) بكسر الجيم وفتحها - ما يبنى به، وهو معرب. صحاح: أي الكلس (والنورة) بضم النون - حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. مصباح (والكحل والزرنيخ) ولا يشترط أن يكون عليها غبار، وكذا يجوز بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللّه تعالى هداية.
(وقال أبو يوسف رحمه اللّه تعالى: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة) وعنه لا يجوز إلا بالتراب فقط، وفي الجوهرة: والخلاف مع وجود التراب، أما إذا عدم فقوله كقولهما.
(والنية فرض في التيمم) لأن التراب ملوث؛ فلا يكون مطهراً إلا بالنية و (مستحبة في الوضوء) لأن الماء مطهر بنفسه؛ فلا يحتاج إلى نية التطهير.
(وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء) لأنه خلف عنه؛ فأخذ حكمه (وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله) لأن القدرة هي المراد بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب، وخائف العدو والسبع والعطش عاجز حكما، والنائم عند أبي حنيفة قادر تقديراً، حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه، والمراد ماء يكفي للوضوء؛ لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء. هداية.
(ولا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطاهر) لأن الطيب أريد به الطاهر (١)، ولأنه آلة التطهير، فلابد من طهارته في نفسه كالماء. اهـ. هداية. ولا يستعمل التراب بالاستعمال، فلو تيمم واحد من موضع وتيمم آخر بعده منه جاز.
(ويستحب لمن لا يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت) المستحب على الصحيح (فإن وجد الماء توضأ به) ليقع الأداء بأكمل الطهارتين (وإلا تيمم) ولو لم يؤخر وتيمم وصلى جاز لو بينه وبين الماء ميل، وإلا لا، در. قال الإمام حافظ الدين: هذه المسألة تدل على أن الصلاة في أول الوقت عندنا أفضل، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة كتكثير الجماعة اهـ.