اللباب في شرح الکتاب - عبدالغنی الغنیمی الدمشقی میدانی - الصفحة ١٦٥
(٢) اعلم أولا أن جميع علماء الشريعة الإسلامية أثبتوا في البيع أربعة أنواع من الخيار: أولها خيار القبول، وثانيها خيار العيب، وثالثهما خيار الرؤية، ورابعها خيار الشرط، فأما خيار القبول فقد ذكره المصنف هنا بقوله "وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رده" وحاصل هذا أن البائع لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم، لا يتم البيع بهذه العبارة، ويكون المشتري مخيراً بين أن يقبل وأن يرفض. وكذلك لو قال المشتري ابتداء: اشتريت منك هذا الثوب بعشرة دراهم، كان البائع مخيراً بين أن يقبل وأن يرفض. وأما خيار العيب وخيار الشرط وخيار الرؤية فسيأتي الكلام عليها. وقد اختلفوا في نوع الخيار سماه بعضهم خيار المجلس، وأنكره بعضهم، وحاصله أنه إذا قال البائع: بعتك، وقال المشتري: قبلت، وتم الإيجاب والقبول، لكن بقي البائع والمشتري في المجلس الذي حدث فيه العقد، فهل لكل واحد منهما أن يرجع فيما أبرماه؟ وكلهم متفقون على أنهما إذا قاما من مجلس العقد لم يثبت لأحدهما هذا الخيار؛ قال أبو حنيفة: متى تمت الصيغة بالإيجاب والقبول فليس لواحد منهما أن ينقض البيع إلا بالعيب أو بالشرط أو برؤية ما لم يكن رآه، على التفصيل الذي ستقف عليه. وقال الشافعي: إنه يثبت لكل واحد من المتعاقدين بعد الإيجاب والقبول خيار آخر غير هذه الثلاثة اسمه خيار المجلس، وشرطه أن يكونا باقيين في مجلس العقد، واستدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا) ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن المراد عنده بالتفرق التفرق بالأبدان، وذلك يكون بترك المجلس، وقد جعل النبي صلى اللّه عليه وسلم لكل واحد منهما الخيار إلى أن يثبت هذا التفرق فينقطع الخيار. والجواب على هذا الكلام أنا لا نسلم أن المراد التفرق بالأبدان كما ذكرتم، بل المراد التفرق في الأقوال، وذلك أن يوجب أحدهما البيع ويرفضه الآخر، فيكون الحديث مثبتا لخيار القبول الذي بيناه أولا، لا لخيار المجلس، والذي يقول هذا أمران: أحدهما أنه عليه الصلاة والسلام سماهما "متبايعان" أي موصوفين بالتبايع، وهما إنما يسميان بذلك في حال البيع، نعني الوقت الذي يجريان فيه الصيغة، فأما بعد ذلك فلا يسميان بهذا الاسم إلا مجازاً؛ لأن اسم الفاعل وغيره من الصفات إنما يصدق على وجه الحقيقة على من يكون متلبسا بالحدث، ولا يعدل عن الحقيقة إلا المجاز إلا لضرورة ولا ضرورة ههنا، والأمر الثاني: أن في. إثبات هذا الخيار - بعد أن تم العقد بالإيجاب والقبول ووجد ركنه وجميع شرائطه - إضرارا بالآخر وإبطالا لحقه الذي ثبت له، والضرر منفي في هذه الشريعة السمحة؛ فهذا توضيح ما أشار الشارح إليه.
(٣) وتعرف الزيادة بأن يقومها يوم البيع ويقومها يوم الإدراك، فما بين القيمتين هو الزيادة التي يتصدق بها.
--------------------------
٣ باب خيار الشرط.
- خيار الشرط جائزٌ في البيع للبائع والمشتري، ولهما الخيار ثلاثة أيامٍ فما دونها، ولا يجوز أكثر من ذلك عند أبي حنيفة رحمه اللّه، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما اللّه: يجوز إذا سمى مدةً معلومةً، وخيار البائع يمنع خروج المبيع من ملكه، فإن قبضه المشتري فهلك في يده ضمنه بالقيمة، وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع من ملك البائع، إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة، وعندهما يملكه، فإن هلك في يده هلك بالثمن، وكذلك إن دخله عيبٌ،
ومن شرط له الخيار فله أن يفسخ في مدة الخيار، وله أن يجيزه، فإن أجازه بغير حضرة صاحبه جاز، وإن فسخ لم يجز، إلا أن يكون الآخر حاضراً، وإذا مات من له الخيار بطل خياره، ولم ينتقل إلى ورثته.
ومن باع عبداً على أنه خبازٌ أو كاتبٌ فكان بخلاف ذلك فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء ترك.
--------------------------
باب خيار الشرط
قدمه على باقي الخيارات لأنه يمنع ابتداء الحكم، وعقبه بخيار الرؤية لأنه يمنع تمامه، وأخر خيار العيب لأنه يمنع اللزوم، وتمام الكلام عليه مبين في الدرر.
(خيار الشرط جائز) في صلب العقد أو بعده ولو بأيام، بحر؛ أما قبله فلا يثبت، تتارخانية (في البيع) أي المبيع كله أو بعضه (للبائع) وحده (والمشتري) وحده (ولهما) معاً، ولغيرهما (الخيار) ومدته (ثلاثة أيام فما دونها) وفسد عند إطلاق أو تأييد؛ وفي جامع الفتاوى: ولو قال بعت إن رضي فلان، جاز إن بين وقت الرضا، اهـ، وبه ظهر جواب حادثة الفتوى، وهي: باع إن رضي شفيعها من غير بيان وقت (ولا يجوز) الخيار (أكثر من ذلك عند أبي حنيفة)، لأنه ثبت على خلاف القياس بالنص، فيبقى الباقي على الأصل (وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز إذا سمى مدة معلومة)؛ لأنه شرع للحاجة للتروي ليندفع به الغين، وقد تمس الحاجة إلى الأكثر، فصار كالتأجيل في الثمن. قال في التحفة: والصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه المحبوبي وصدر الشريعة والنسفي وأبو الفضل الموصلي، ورجحوا دليله، وأجابوا عما يتمسك به لهما، تصحيح.