تفصيل الشريعة- كتاب الطهاره( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٧٤ - الماء الجاري وبيان حقيقته
وحينئذٍ فلا وجه لما يظهر من بعض الكلمات من دلالة اللغة والعرف على هذا المعنى [١]، وكان صاحب الجواهر قدس سره تفطّن لعدم كون اللغة مساعدة على هذا المعنى، ولأجله ادّعى كونه هو المتبادر عند العرف ويثبت به اللغة [٢]. ولا محيص عن ذلك بعد ملاحظة ما ذكرنا من الإسميّة والعلميّة؛ فإنّها لا محالة ترتبط بالعرف وتصير حقيقة عرفيّة، كما عرفت في كلام المسالك.
وكيف كان، فالظاهر في معنى الجاري اعتبار أن يكون له مادّة تحت الأرض، فالماء الجاري من مادّة حاصلة على الأرض كالثلج على الجبال لا يقال له: إنّه الماء الجاري، كما يظهر بمراجعة العرف، ولا يبعد القول بعدم لزوم الجريان على وجه الأرض بالفعل، بل يكفي كونه قابلًا ومستعدّاً للجريان، بحيث لو لم يمنع عنه مانع يكون كسائر المياه الجارية على وجه الأرض، ومقتضى ذلك كون ماء البئر ماءً جارياً أيضاً، ولعلّ استثناء صاحب المسالك قدس سره إنّما هو لأجل عدم مساعدة العرف عليه.
وقد ادّعى جامع المقاصد [٣]- في المحكي عنه- الاتّفاق ممّن عدا ابن أبي عقيل على أنّ الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد يعتبر فيه الكرّيّة، ولكنّه ربما يقال بأنّ البداهة والوجدان تحكمان بأنّ مثل دجلة والفرات من أقسام الماء الجاري، مع أنّ منشأهما ذوبان ثلوج الجبال. وعليه: فيمكن أن يكون مراده من النبع هو المادّة الموجبة لدوام الجريان في مقابل مثل الساعة واليوم؛
[١] مصباح الفقيه ١: ٢٨- ٢٩.
[٢] جواهر الكلام ١: ١٨٥.
[٣] جامع المقاصد ١: ١١٠.