إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٤٠ - قصة حرب الجمل
كان ابن صفية جبانا و لا لئيما، و لكن الحين و مصارع السوء.
ثم اشتد و طيس القتال بين الجانبين فنزل علي إلى الساحة و هو يتلو قوله تعالى:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ اللّهم أفرغ علينا الصبر. ثم رفع مصحفا بيده و قال: من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إلى ما فيه و لهم الجنة؟ فقام غلام اسمه مسلم بن عبد اللّه فقال:
أنا يا خليفة رسول اللّه. ثم تناول المصحف و زحف على القوم فقتلوه، فقال علي:
الآن حل قتالهم و اقتتل الناس،
و ركبت عائشة الجمل، و ألبسوا هودجها البسط و جلود النمر، و فوق ذلك دروع الحديد و خطبت الناس عائشة فقالت: أما بعد فإنا كنا نقمنا على عثمان ضرب السوط و إمرة الفتيان، ألا و إنكم استعتبتموه فأعتبكم، ثم عدوتم عليه فارتكبتم منه دما حراما، و ايم اللّه إنه كان أحصنكم فرجا و أتقاكم للّه.
ثم اقتتلوا حتى قتل طلحة و هو يقول: اللهم خذ لعثمان حتى ترضى، و حرّضت عائشة الناس كما حرّض علي جماعته، و احتدم القتال و تلاحم الناس و أخذت عائشة لفا من حصى، و رمت به وجوه أصحاب الإمام و صاحت بقولها: شاهت الوجوه كما صنع رسول اللّه يوم حنين، فقال لها قائل:وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى.
ثم تقدم أصحاب علي إلى جمل عائشة و أصحابها يحيطون بها و يتساقطون صرعى دون الوصول إليها حتى قتل على الخطام أربعون رجلا. و أحدق أهل النجدات و الشجاعة بعائشة، و حمل أصحاب علي حتى أداروا الجمل كما تدور الرحى، و صاح الإمام ارشقوا الجمل بالنبل، فرشق حتى لم يبق فيه موضع إلا أصابه النبل. ثم تقدم محمد بن أبي بكر و عمار بن ياسر فقطعا أنساع الهودج و احتملاه، فلما وضعاه أدخل محمد يده فقالت: من هذا؟ فقال: أخوك محمد، فقالت: بل