إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٩٤ - مستدرك ما ورد في شجاعته يوم خيبر
هجمة شرسة عاتية، و قد استبدّ بهم الحقد، و هاجت في نفوسهم الضغينة، فأرادوا أن يستأصلوا أعداءهم من على وجه الأرض استئصالا، و لكن من أين لهم ذلك الوهم الخادع، و كل واحد من المسلمين بطل مقدام بحيث كانوا ينقضون عليهم كالليوث الكاسرة، فيفرقون صفوفهم، و يشتتون جموعهم، و لكن واحدا منهم كان يدور حول علي عليه السّلام و يلحقه و يترصّده من مكان إلى آخر، و هو يريد أن يختلسه بضربة تعجل عليه، ثم ما زال كذلك حتى أمكنه الدنو منه، فأهوى عليه بسيفه، فتلقى علي ضربته بدرعه، غير أنها وصلت إلى مقبضه فقطعته و أطاحت به من يده، فما كان من علي عليه السّلام إلا أن عاجله بسيفه البتّار، و أهوى عليه بإحدى ضرباته البكر النجلاء، لتفلق هامه و تذره على البطحاء شطرين.
و لم يكن اليهود قد شهدوا في سالف أيامهم مثل تلك الضربات التي تفلق هام الرجال، فراعهم الهلع، و أخافهم الفزع، فتقهقروا إلى الوراء مرتدين إلى الحصن، فارين لهول ما رأوا، ثم حاولوا إغلاق بابه و إحكام أقفاله من الداخل، و لكن عليا عليه السّلام كان أسرع من أن يمكنهم من إيصاده جيدا، إذ اندفع نحو الباب يشدّ به إلى الوراء حتى اقتلعه بيديه ثم حمله يتترس به، و يهجم على الأعداء يدحوهم به دحوا حتى أبعدهم عن المدخل، فرجع و جعل الباب جسرا على الخندق الذي كان أمام الحصن كي يعبر عليه المسلمون، و يلاحقون الأعداء من ناحية إلى ناحية، و من زاوية إلى زاوية، حتى قتلوا منهم عشرات الرجال و فرّ الباقون من أمامهم، فطاردوهم حتى أجلوهم عن الحصن تماما و لم يبق منهم فيه أحد، و عندها هدأ القتال و انتهت تلك المعركة بفتح حصن الناعم على يدي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و أرضاه، فدعاه الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم إليه يضمّه إلى صدره فرحا بقوة بأسه و شجاعته، شاكرا اللّه تعالى على ما أنعم عليه و على المسلمين من نصر عزيز.
و كان شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حسان بن ثابت، يرقب ذلك الحنان يفيضه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على حبيبه و أخيه علي عليه السّلام فينفذ أثره