إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٣٥ - قصة حرب الجمل
أتيتموني فقلتم: بايعنا، فقلت: لا أفعل، فقلتم: بلى، فقلت: لا، و قبضت يدي فبسطتموها، و نازعتكم فجذبتموها، حتى تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، و أن بعضكم قاتل بعضا، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، و بايعني في أولكم طلحة و الزبير طائعين ثم مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، و اللّه يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة، و أن لا يبغيا الأمة الغوائل، فعاهداني، ثم لم يفيا لي و نكثا بيعتي، و نقضا عهدي، فعجبا لهما من انقيادهما لأبي بكر و عمر و خلافهما علي، و لست بدون أحد الرجلين، و لو شئت أن أقول لقلت: اللهم احكم عليهما بما صنعا في حقي، و صغرا من أمري و ظفرني بهما.
و قال في خطبة ثانية حين بلغه مسيرة عائشة: أما بعد، فإن عائشة سارت إلى البصرة و معها طلحة و الزبير، و كل منهما يرى الأمر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، و أما الزبير فختنها، و اللّه لو ظفروا بما أردوا، و لن ينالوا ذلك أبدا، ليضربن أحدهما عنق الآخر بعد تنازع منهما شديد، و اللّه إن راكبة الجمل الأحمر، ما تقطع عقبة و لا تحل عقدة إلا في معصية اللّه و سخطه، حتى تورد نفسها و من معها موارد الهلكة، أي و اللّه ليقتلن ثلثهم و ليهربن ثلثهم و ليتوبن ثلثهم، و إنها التي تنبحها كلاب الحوأب، و إنهما ليعلمان أنهما مخطئان، و رب عالم قتله جهله معه علمه لا ينفعه، حسبنا اللّه و نعم الوكيل، فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون، أين المؤمنون، ما لي و لقريش، و اللّه لقد قتلتهم كافرين، و لأقتلنهم مفتونين، و ما لنا إلى عائشة من ذنب، إلا أنا أدخلناها في صيرنا، و اللّه لأبقرن الباطل، حتى يظهر الحق من خاصرته. ثم إنه دعا وجوه أهل المدينة، فقال لهم: إن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، فانصروا اللّه ينصركم، و يصلح لكم أمركم.
ثم إن الإمام استخلف على المدينة سهل بن حنيف، و قيل: بل تمام بن العباس، و على مكة قثم بن العباس، و خرج في تعبيته التي عبأها لأهل الشام في آخر ربيع