إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٢٩ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
جيش الشرك. و النطق من معسكر قريش التي أضناها اقتحام الخندق، نفر من مقاتليها على رأسهم عمرو بن عبد ود و تيمّموا لأنفسهم ثغرة في الخندق ينفذون منها، و فعلا وجدوا مكانا ضيقا تقحمته خيولهم.
و وقف هو و من معه من فرسان قريش، أمام المسلمين، و صاح: من يبارز؟
و في مثل و مض البرق وجد أمامه البطل. إذ وقف علي أمامه وجها لوجه. و قال: يا عمرو، إنك كنت عاهدت اللّه ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. فأجابه عمرو: أجل. قال علي: فإني أدعوك إلى اللّه، و رسوله، و إلى الإسلام قال عمرو: لا حاجة لي إلى ذلك، قال علي: إذن، فأنا أدعوك إلى النزال، قال عمرو: لم يا ابن أخي، فو اللات ما أحب أن أقتلك. قال علي: و لكني و اللّه أحب أن أقتلك.
فغضب عمرو، و أخذته حمية الجاهلية، و اقتحم عن فرسه و عقره، ثم هجم على علي الذي تلقاه بعنفوان أشد، و خاضا معا نزالا رهيبا، لم تطل لحظاته حتى رفع علي سيفه المنتصر، في حين كان خصمه عمرو بن عبد ود مجندلا على الأرض صريعا. و عاد علي إلى صفوف المسلمين، تستقبله تحيات شاعرهم:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه و نصرت ربّ محمد بصواب لا تحسبن اللّه خاذل دينه و رسوله، يا معشر الأحزاب
و قبل أن نستطرد مع مشاهد بطولته الخارقة، يحسن بنا أن نتذكر ما قلناه من قبل، ألا و هو أن بطولة علي كانت تزدان بكل شرف الرجولة. و لم تكن قط في خدمة هوى أو زهو. إنما كانت في خدمة تلك المبادئ العلى التي هداه اللّه إليها و التي آمن بها علي أوثق الإيمان.
من أجل هذا لا نعثر على مشهد واحد من مشاهد بطولته، يمثل عدوانا، أو بهتانا.
و بطولته على الرغم من شموختها، و اقتدارها، كانت بطولة مسالمة عاقلة، عادلة.
ففي هذه البطولة التقت شدة البأس و لين الجانب لقاء موفقا.
من أجل هذا نجد الرسول عليه السّلام يندبه في مهام الحرب و القتال لتلك التي تتطلب حظا وافرا من ضبط النفس و لين الجانب، و في هذا تزكية لبطولته و إطراء.