إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٢٦ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
و
رأى الرسول عليا وسط مجموعة منهن تكاد تعييهن جراحه الكثيرة، حتى قلن لرسول اللّه حين رأينه: يا رسول اللّه! لا نعالج منه جرحا، إلا انفتق جرح.
فاقترب الرسول من جسده المثخن، و الشجاع، و راح يسهم في تضميده و يقول:
إن رجلا لقى هذا كله في سبيل اللّه، لقد أبلى و أعذر.
و انتهت معركة أحد بهزيمة المسلمين بعد أن حققوا على أرضها نصرا عظيما.
و كتب السير و التاريخ تجمع على أن الهزيمة لم تكن نتيجة لتفوق المشركين في قتالهم أو في بلائهم، إنما كانت نتيجة خطأ ارتكبه فريق من المؤمنين، أولئك هم الرماة الذي وكل إليهم الرسول مهمة حماية المؤخرة من فوق قمة الجبل، و أمرهم ألا يغادروا مواقعهم مهما يكن الأمر حتى يأمرهم هو بمغادرتها، بيد أنهم ما كادوا يبصرون قريشا تنهزم و تنسحب قواتها من المعركة مخلفة أسلابها و غنائمها، حتى غادروا مواقعهم و نزلوا إلى أرض القتال يجمعون الغنائم و الأسلاب.
هنالك، جمع الجيش المنسحب فلوله، و عاد حثيثا إلى المسلمين و قد انكشفت مؤخرتهم، و فاجأهم بهجوم مباغت و عنيد.
و هكذا تحوّل النصر إلى هزيمة.
و وعى الدرس كله، و العبرة جميعا حامل لواء المسلمين آنئذ علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه.
لقد ازداد ساعتئذ علما بما كان علمه من قبل: و هو أن دين اللّه لا ينبغي أن يكون طريقا إلى دنيا و أن الذين يتقدمون ليحملوا كلمة اللّه و رايته، يجب ألا يشغلهم عنها أسلاب، و لا غنائم، و لا أطماع، و لا مناصب فإن هم فعلوا و كلهم اللّه إلى أنفسهم، و ما أعجز الأنفس حين تفقد رعاية اللّه و توفيقه.
حذق علي هذا الدرس جيدا كما حذقه يومئذ أكثر الأصحاب.
و عاش علي عمره كله لا ينساه، فغدا عند ما تأتيه الخلافة في فتن كقطع الليل المظلم، ثم عند ما تفرض عليه تلك الصدامات المروعة مع معاوية، و مع الخوارج، لن ينسى درس أحد أبدا.