إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٢٣ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
شتّامين لعّانين و لكن قولوا: اللهم احقن دماءنا و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، و يرعوى عن الغي من لجّ به.
إنه شرف المقاتل أيضا و إنها لبطولة التي تزجيها الرجولة، و الرجولة التي صاغها الإسلام في أحسن تقويم.
و لكن، لما ذا عجلنا، و تخطينا الزمن، و رحنا ننشد الأمثلة على بطولة الإمام من أخريات أيامه؟ ألا يحسن بنا أن نستشرف هذه البطولة في بداياتها الرائعة؟ بلى فلنرجع مع الزمن إلى وراء، حيث الرسول في مكة يتهيأ للهجرة إلى المدينة التي سبقه إليها أصحابه.
إن خطة الهجرة كما رسمها الرسول، كانت تتطلب أن يأخذ مكانه في البيت رجل تشغل حركته داخل الدار أنظار المحاصرين لها من مشركي قريش، و تخدعهم بعض الوقت عن مخرج الرسول عليه السّلام، حتى يكون و صاحبه أبو بكر قد جاوزا منطقة الخطر، و خلفا وراءهما من متاهات الصحراء مسافة تتشتت فيها مطاردة قريش إذا هي خرجت في طلبهما.
و لكن ما مصير هذا الذي سيخلف الرسول في داره، و يخرع قريشا كلها عن مخرجه؟ ما مصيره حين تكتشف قريش الحيلة، و ترى كيدها الذي عبأت فيه كل قواها، يرتد، لا هزيمة ما حقه فحسب بل و سخرية. تضحك منها ولدانها، و خزيا يجثم فوق جبينها؟ إن مصيره مفروغ منه. إنه القتل، إذا لم تجد قريش ما هو أشد من القتل تشفيا و فتكا.
و الحق أنها ستكون نهاية موحشة. فالرجل الذي سيكتب عليه أن يحمل هذه التضحية، لن يقتل فحسب بل هو سيقتل في بلد موحش، قد خلا من كل أصحابه الذين كانوا بالأمس يملئون فجاجه دويا بالقرآن كدوي النحل.
في هذا البلد الموحش سيقتل وحيدا دون أن يجد من إخوانه من يشجعه و لو من بعيد بنظرة تثبيت أو يودعه و لو من بعيد أيضا بنظرة عطف و محبة أو يتسلل في جنح الظلام إلى قبره فيقف عليه مسلما.