إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣١٠ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
و أغشى اللّه أعينهم فراحت و لم تر ذلك البدر التماما و قد عرف عنه رضي اللّه عنه أنه ما صارع أحدا إلا صرعه، و أنه كان جريئا على الموت.
فقد ورد أنه بارز عمرو بن عبد ود- فارس الجزيرة العربية- و هو لا زال حدثا في سنه، و كان هذا أيام وقعة الخندق عند ما برز ابن ود مزهوا بقوته ينادي في المسلمين: من يبارز؟ فهتف علي: أنا له يا رسول اللّه، فيتبسم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ثم يقول له: اجلس إنه عمرو، و لكن الرجل المزهو عاد يصيح: من يبارز؟
و راح يهزأ بالمسلمين قائلا: أين جنتكم التي زعمتم أنكم داخلوها، أ جبنتم أ فلا يبرز لي منكم رجل؟! فكان علي ينهض المرة بعد الأخرى و هو يكرر في حماس: أنا له يا رسول اللّه، و النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يشفق عليه و يقول له: اجلس إنه عمرو، و لكنه ظل بالنبي صلّى اللّه عليه و سلّم حتى أذن له، فلما تقدم نحو عمرو سخر منه و هو يكتسحه بنظرات الاستصغار قائلا له: من أنت؟ فيجيبه بعزة و رجولة: أنا علي. فيقول له عمرو: أنت ابن عبد مناف؟ فيقول علي بن أبي طالب، فأقبل عمرو عليه مشفقا و قائلا: يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك و إني أكره أن أهريق دمك.
فقال له علي: و لكني و اللّه لا أكره أن أهريق دمك، و لكني أذكرك يا عمرو بما ينفعك و يعصم دمك، إنك كنت تعاهد قومك أ لا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه أحسنهما. قال عمرو: أجل.
فقال علي: فإني أدعوك إلى الإسلام أو إلى النزال.
فقال عمرو مستصغرا لشأن علي: و لم يا اين أخي فو اللّه ما أحب أن أقتلك. ثم غضب و أهوى بسيفه عليه يريد أن يذهب به بضربة واحدة.
و لكن عليا راوغه و ما زال به حتى خر الرجل صريعا تحت قدميه، فكبر المسلمون تكبيرة تفيض بنشوة النصر، ثم استقبلوا عليا مهللين مكبرين.
و عند ما علمت ابنة عمرو بقتله سألت عن قاتله، فلما علمت أنه علي وجدت عزاءها في أن الذي قتله فتى لا يشق لشجاعته غبار.
و ذهبت ترثيه شعرا فتقول: