إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٤٨ - و من أقضيته عليه السلام
للرجل الأول: ما حملك على أن قلت، أنا قاتله و لم تقتله؟ قال: يا أمير المؤمنين و ما أستطيع أن أصنع و قد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه، و أنا واقف، و في يدي سكين، و فيها أثر الدم، و قد أخذت في خربة ألا يقبل مني، فاعترفت بما لم أصنع، و احتسبت نفسي عند اللّه.
فقال علي: بئسما صنعت. فكيف كان حديثك؟ قال الرجل: إني رجل قصاب، خرجت إلى حانوتي في الغلس، فذبحت بقرة و سلختها، فبينما أنا أسلخها و السكين في يدي أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه و السكين في يدي فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي، فأخذوني. فقال الناس:
هذا قتل هذا ما له قاتل سواه، فأدركت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت لما لم أجنه.
فسأل علي الرجل الثاني الذي أقر بالقتل: فأنت كيف كانت قصتك؟ قال: أغواني إبليس، فقتلت الرجل طمعا في ماله، ثم سمعت حس العسس فخرجت من الخربة، و استقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه و أتوك به فلما أمرت يا أمير المؤمنين بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق. فقال علي لابنه الحسن: ما الحكم في هذا؟ و كان يعلم أولاده على نحو ما تعلم هو من أستاذه العظيم رسول اللّه: يطرح القضية و يسأل عن الحكم ثم يجيز أو يصحح. فقال الحسن: يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا. و قد قال اللّه تعالى:وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. فأقر الإمام الحكم، و خلى عن الرجلين، و أخرج دية القتيل من بيت المال.
و أورد الفاضل المعاصر أحمد حسن الباقوري المصري بعض أقضيته عليه السّلام في كتابه «علي إمام المتقين» (ص ١٨٠ و ما بعدها) و نحن نورد بعضها بلفظه: