فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣٦ - الصلح الابتدائي الاُستاذ مسعود الإمامي
الخصومة إنّما هو حكمة في عقد الصلح وليس علّة له حتى يدور العقد مدارها .
ومن الواضح أنّ مثل هذا التأويل هو خلاف الظاهر من كلام القدماء ، هذا مضافاً إلى وجود بعض القرائن والشواهد الدالّة على أنّ القدماء لا يجرون عقد الصلح فيما ليس فيه نزاع أو خصومة . والملاحظ لكلمات الفقهاء قبل العلامة يجد بوضوح أنّهم اقتصروا في باب الصلح على بحث المسائل المرتبطة بالخصومة والنزاع أو التي يحتمل فيها ذلك ، ولا يوجد في كلماتهم ما هو خارج عن ذلك البتة .
وبعبارة اُخرى : إنّه لا يوجد في كلمات من سبق العلامة من تعرّض للصلح الابتدائي (١٤٣) ، وهذا أوضح قرينة على أنّهم لا يريدون سوى ما هو الظاهر من تعريفهم للصلح .
ومن هنا تعرّض بعض الفقهاء لهذا التحوّل في وظيفة أو ماهيّة عقد الصلح والغرض منه ، فقد وجّه الشهيد الثاني والسيد الطباطبائي طرح مثل هذا البحث قبل الدخول في مباحث كتاب الصلح ، فقال الأول : « ولمّا كان الصلح مشروعاً لقطع التجاذب والتنازع بين المتخاصمين بحسب أصله وإن صار بعد ذلك أصلاً مستقلاً بنفسه لا يتوقف على سبق خصومة ، ذُكر فيه أحكام من التنازع » (١٤٤) .
وأشار الدكتور الإمامي إلى هذا التحوّل في حقيقة عقد الصلح فقال : « إنّ الصلح شرّع في الأساس لرفع الاختلاف ، ولكنّ حقيقته تغيّرت بالتدريج ، فصار في عداد المعاملات المستقلة والعقود المعيّنة ، والشروط المذكورة في ضمن العقد كسائر المعاملات التي تجرى لرفع الاحتياجات الاجتماعية » (١٤٥) .
وعليه ، فإنّ دعوى إجماع المتأخرين والمعاصرين على صحة الصلح الابتدائي إنّما هي فيما بعد عصر العلامة دون ما قبله ، ولا حجّية لمثل هذا
(١٤٣) اُنظر : الديلمي ،سلار ، المراسم العلوية : ٢٠٠ ، والحلبي ، الكافي في الفقه : ٤٥٣ ، والطوسي ، الخلاف ٣ : ٢٩١ ، والطوسي ، النهاية : ٣١٤ ، وابن زهرة : ٢٥٣ ، والحلّي ، شرائع الإسلام ٢ : ٣٦٦ .
(١٤٤) الشهيد الثاني ، الروضة البهية ٤ : ١٨٢ . الطباطبائي ، رياض المسائل ٩ : ٤٥ .
(١٤٥) الإمامي ، حقوق مدني ٢ : ٣٢١ .