كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٩٦
ما استدل به على كراهة اخذ المال من الجائر مع العلم بوجود الحرام في امواله والجواب عنه قوله: (ثم إنه صرح جماعة بكراهة الاخذ). اقول: كره جماعة اخذ الجائزة من الجائر مع قيام الحجة على الجواز، واستدلوا عليه بوجوه: الاول: انه يحتمل أن يكون المأخوذ منه حراما واقعا، لكن قام الدليل على جواز تناوله ظاهرا، فيكون مكروها. وفيه انه لو كان الاحتمال موجبا لكراهة التصرف في المأخوذ من الجائر لوجب الالتزام بكراهة التصرف فيما اخذ من اي احد من الناس حتى المتورعين في امورهم، لوجود الاحتمال المذكور في اموالهم، مع انه لم يلتزم بها احد في غير جوائز السلطان. الوجه الثاني: الاخبار الكثيرة [١] الدالة على حس الاحتياط، كقوله " ع ": (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقولهم " ع ": (فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات) وكقوله " ع ": (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) وكقول علي " ع " لكميل بن زياد: (أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت) وفي الحديث (إن لكل ملك حمى وحمى الله مارمه فمن رتع حول الحمى اوشك ان يقع فيه). وغير ذلك من الروايات. وفيه انه إن كان المراد بالريب أو الشبهة التي جعلت موضوعا للحكم في هذه الاخبار الريب في الحكم الظاهري بأن كانت واقعة خاصة مشتبهة في حكمها الظاهري فهو ممنوع في المقام، لارتفاعه بقاعدة اليد التي ثبت اعتبارها في الشريعة المقدسة، وان كان المراد به الريب في الحكم الواقعي فالاموال كلها إلا ما شذ وندور مشتبهة من حيث الحكم الواقعي حتى الاموال المشتبهة في ايدي عدول المؤمنين، لوجود احتمال الحرمة الواقعية في جميع ذلك، ولازم ذلك ان يحكم بكراهة التصرف في جميع الاموال غير ما اخذ من المباحات الاصلية، وعلى هذا فطريق التخلص من الكراهة ان يعامل بها معاملة مجهول المالك، كما كان ذلك دأب بعض الاعلام من السادة. نعم يختلف الاحتياط من حيث الشدة والضعف بحسب الموارد، فالاحتياط في اموال الجائرين اشد من الاحتياط في اموال بقية الناس. وعلى الجملة لا طريق لنا إلى إثبات
[١] راجع ج ٣ ئل باب ١٢ وجوب التوقف والاحتياط من ابواب صفات القاضي ص ٣٨٩ ٣٨٧.