كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢١٧
الشيطان. إلى غير ذلك من الروايات التي دلت على حرمة الخلوة مع الاجنبية، ففي بعضها: لا يخلون رجل بامرأة فان ثالثهما الشيطان، وفي بعضها: إن الشيطان لا يغيب عن الانسان في موضع خلو الرجل مع امرأة اجنبية. وعلى هذا النهج احاديث العامة [١] فيستفاد من جميعها حرمة خلو الرجل مع امرأة أجنبية. لان الشيطان لا يغيب عنه في هذه الحالة، فيهيج قوته الشهوية ليلقيه إلى المهلكة والمضلة، وبما ان التشبيب بالمرأة الاجنبية يهيج الشهوة ازيد مما تهيجه الخلوة بها فيكون اولى بالتحريم. وفيه أنه لا دلالة في شئ من تلك الاخبار على حرمة الخلوة مع الاجنبية فضلا عن دلالتها على حرمة التشبيب، أما روايتا مسمع ومكارم الاخلاق فالمستفاد منهما حرمة قعود الرجل مع المرأة في بيت الخلاء، فقد كان من المتعارف في زمان الجاهلية أنهم يهيئون مكانا لقضاء الحاجة، ويسمونه بيت الخلاء، ويقعد فيه الرجال والنساء والصبيان ولا يستتر بعضهم عن بعض، كبعض أهل البادية في الزمن الحاضر، ولما بعث نبي الرحمة نهى عن ذلك، وأخذ البيعة على النساء أن لا يقعدن مع الجرال في الخلاء، على أن الخلوة مع الاجنبية إذا كانت محرمة فلا تختص بحالة القعود، بل هي محرمة مطلقا وإن كانت بغير قعود. ويؤيد ما ذكرناه من المعنى أن النهي في الروايتين قد تعلق بقعود الرجال مع النساء في الخلاء مطلقا وإن كن من المحارم، ومن الواضح أنه لا مانع من خلوة الرجل مع محارمه، وإن لم يكن للروايتين ظهور فيما ادعيناه، فلا ظهور لهما في حرمة الخلوة أيضا، ولا أقل من الشك، فتسقطان عن الحجية. على ان من جملة ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله البيعة به على النساء أن لا يزنين، ولعل أخذ البيعة عليهن أن لا يقعدن مع الرجال في الخلاء من جهة عدم تحقق الزنا، فان حالة الخلوة مظنة الوقوع على الزنا، وعليه فلا موضوعية لعنوان الخلوة بوجه، والغرض المهم هو النهي عن الزنا، وإنما تعلق بالخلوة لكونها من المقدمات القريبة له. ويدل على ما ذكرناه أيضا ما ورد في جملة من الروايات من تعليل النهي عن الخلوة بأن الثالث هو الشيطان، فان الظاهر منها هو أنه لو خلا الرجل مع المرأة الاجنبية فان الشيطان يكاد أو يوقعهما في البغي والزنا، ومن هنا ظهر أنه لا يجوز الاستدلال أيضا بهذه الروايات المشتملة على التعليل المذكور. وقد ذكرنا جميع هذه الروايات في الحاشية. وأما رواية موسى بن ابراهيم فهي خارجة عما نحن فيه، فانها دلت على حرمة نوم الرجل في موضع يسمع نفس الامرأة الاجنبية، ولا ملازمة بين سماع النفس والخلوة دائما، بل
[١] راجع ج ٧ سنن البيهقي ص ٩٠.