كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٠٢
الاثبات، ولا يمكن المصير إليه بدون دليل وقرينة، وإذن فيتعين الاحتمال الثالث. وهذا الكلام بعينه جار في القضايا المشروطة من الجمل الخبرية أيضا، فان إرجاع القيد فيها إلى نفس الاخبار: أي الالفاظ المظهرة للدعاوي النفسانية غير معقول، لتحققه بمجرد التكلم بالقضية الشرطية، ولا يعقل بعد ذلك أن تكون موقوفة على حصول قيد أو شرط. واما إرجاعه إلى متعلق الخبر وهو وإن كان سائغا في نفسه، ولكنه خلاف ظاهر القضايا الشرطية. وح فيتعين إرجاعه إلى المخبر به، وهو الدعاوي النفسانية، مثلا إذا قال أحد: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، فان معناه ان دعوى تحقق النهار مقيدة بطلوع الشمس، ومع عدم طلوعها فالدعوى منتفية. وعليه فتقدير الآية (بل فعله كبيرهم إن نطقوا فاسألوهم) فقد علقت الدعوى على نطق كبيرهم، ولما استحال نطقه انتفت الدعوى، فلا تكون كاذبة، ونظير ذلك قولك: فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء، وكقولك ايضا: لا أعتقد إلاها إن كان له شريك، ولا أعتقد خليفة للرسول صلى الله عليه وآله إن لم يكن منصوبا من الله. هذا فاغتنم. ويؤيد ما ذكرناه خبر الاحتجاج [١] عن الصادق " ع " إنه قال: (ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم، قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إنما قال ابراهيم: إن كانوا ينطقون، فان نطقوا فكبيرهم فعل وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا وما كذب ابراهيم). وقد ذكر المفسرون وجوها لتفسير الآية [٢] فراجع. وأما رمي قول ابراهيم: (إنى سقيم) بالكذب فجوابه ان المراد به كونه سقيما في دينه اي مرتادا وطالبا في دينه. ويؤيده ما في خبر الاحتجاج المتقدم عن الصادق " ع " من قوله (ما كان ابراهيم سقيما وما كذب وإنما عنى سقيما في دينه: اي مرتادا). ومعنى المرتاد في اللغة هو الطلب والميل: اي إني طالب في ديني ومجد لتحصيل الاعتقاد بالمبدأ والمعاد، فقد خيل بذلك إلى عبدة الاصنام والنجوم انه مريض لا يقدر على التكلم، فتولوا عنه مدبرين، وأخروا المحاكمة إلى وقت آخر، وللعلماء فيه وجوه اخرى قد ذكرها المفسرون في تفاسيرهم. وأما رمي قول يوسف " ع ": (أيتها العير انكم لسارقون) بالكذب فقد ذكروا في الجواب عنه وجوها: اظهرها انالمؤذن لم يقل: أيتها العير انكم لسرقتم صواع الملك، بل قال: انكم لسارقون، ولعل مراده انكم سرقتم يوسف من ابيه، الا ترى انهم لما سألوا:
[١] مرسلة. ص ١٩٤.
[٢] راجع ج ٤ مجمع البيان ط صيدا ص ٥٣.