كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٩٧
لكاذبون في قولهم: إنك لرسول الله، لعدم اعتقادهم بالرسالة المحمدية وإن كان قولهم مطابقا للواقع. وأجابوا عنه بأن المنافقين لكاذبون في شهادتهم للرسالة، لعدم كونها عن خلوص الاعتقاد. وتوضيح ذلك يحتاج إلى مقدمتين: الاولى: ان الشهادة في العرف واللغة [١] بمعنى الحضور سواء كان حضورا خارجيا كقوله تعالى [٢]: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). وكقول المسافر: شاهدت البلد الفلانية وأقمت فيها أم حضورا ذهنيا، كحضور الواقعة في ذهن الشاهد. الثانية: أن المخبر به قد يكون أمرا خارجيا، وقد يكون امرا اعتباريا، وقد يكون أمرا ذهنيا كالاخبار عن الصور النفسانية. فيتجلى من هاتين المقدمتين ان الاخبار عن الشهادة بالرسالة مبني على حضور المخبر به والمشهود به في صقع الذهن، لان الشهادة ليست من الاعيان الخارجية. وحيث إن المنافقين غير معتقدين بالرسالة، ولم يكن المخبر به وهو الاعتقاد بالنبوة موجودا في أذهانهم فرماهم الله إلى الكذب والفرية، فلا دلالة في الآية على مقصود النظام. ويضاف إلى ذلك انه لو اخبر احد عن قضية لم يعتقد بوقوعها في الخارج وهي واقعة فيه، فانه على مسلك النظام خبر كاذب، مع أنه صادق بالضرورة. وعن الجاحظ ان صدق الخبر مطابقته للواقع والاعتقاد معا، وكذبه عدم مطابقته لهما معا، وغير ذلك لا صدق ولا كذب، واستدل على رأيه هذا بقوله تعالى [٣]: (افترى على الله كذبا أم به جنة). فان الاخبار حال الجنة غير الكذب، لانهم جعلوه قسيما للافتراء وغير الصدق، لعدم مطابقته للواقع في عقيدتهم. وفيه أنا نرى بالعيان، ونشاهد بالوجدان وبحكم الضرورة انحصار الخبر بالصدق والكذب وعدم الواسطة بينهما. وأما الآية المذكورة فهي غريبة عن مقصود الجاحظ، لان الظاهر منها ان المشركين نسبوا اخبار النبي صلى الله عليه وآله إلى الافتراء الذي هو كذب خاص، أو إلى الاخبار حال الجنة الذي لا اثر له عند العقلاء. والتحقيق ان الجمل بأجمعها خبرية كانت أم انشائية قد وضعت بهيئاتها النوعية لابراز الصور الذهنية، واظهار الدعاوى النفسانية (ما شئت فعبر) فان الواضع (اي شخص كان) إنما تعهد (وتابعه بقية الناس) بأن متى اراد ان يبرز شيئا من دعاويه ومقاصده ان يتكلم
[١] في المنجد: شهد المجلس حضره.
[٢] سورة البقرة، آية: ١٨١.
[٣] سورة سبأ، آية: ٨.