كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٥٤
لانتفاء ما هو الغرض من تشريع التقية). ومع الاغضاء عما ذكرناه فان ما افاده إنما يلائم قوله " ع " في رواية محمد بن مسلم: (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية). فانه يمكن ان يتوهم منها ان الغاية من التقية هي حفظ الدم وإذا كان لا بد للظالم من إراقة الدم فلا موضوع للتقية. ولكن يبائنه قوله " ع " في رواية ابي حمزة الثمالي: (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية). فان ههذ الرواية ظاهرة، بل صريحة في ان التقية إذا توقفت على إراقة الدم فلا تقية، فتكون هذه الرواية قرينة لبيان المراد من الرواية الاولى ايضا. ثم إنه لا فرق بين افراد المؤمنين من حيث الصغر والكبر، ولا من حيث الرجولة ولانوثة، ولا من حيث العلم والجهل، ولا من حيث الحرية والعبودية، لاطلاق قوله " ع " (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بغلت التقية فلا تقية). وأما الاكراه وقد تقدم معناه في الامر الثاني فهو لا يسوغ قتل النفس المحترمة بلا خلاف بين الفريقين، والوجه فيه هو ما تقدم من أن الادلة الدالة على نفي الاكراه والضرر والحرج واردة في مقام الامتنان، ومن الواضح ان الاضرار بالغير مناف للامتنان، فلا يكون مشمولا لها، فتبقى الادلة الدالة على حرمة قتل النفس المحترمة سليمة عن المزاحم. نعم إذا اجبر الظالم أحدا على قتل أحد شخصين محقونى الدم، أو اضطر إليه نفسه، كما إذا وقع من شاهق، وكان لا بد له من الوقوع على راس احدهما، فلا بد حينئذ من الرجوع إلى قواعد التزاحم، ويتضح ذلك بلحاظ ما حققناه في دوران الامر بين انقاذ أحد الغريقين، فانه لم يستشكل أحد في وجوب المبادرة لانقاذ الاهم منهما وترك الآخر. وهذا نظير الاكراه على إيقاع الضرر المالي على أحد الشخصين، وقد تقدم الكلام فيه. لا يقال: قد نطق القرآن الكريم في آية محكمة [١] بالتكافؤ بين الدماء المحترمة، ومعه فأي معنى لملاحظة الاهم والمهم في ذلك، وقد ورد ذلك في الاخبار المستفيضة المذكورة في ابواب القصاص. فانه يقال: نعم ولكن مورد التكافؤ الذي دلت عليه الآية والروايات إنما هو القصاص فقط، فلا مساس له بما نحن فيه، ومن هنا اتضح حكم ما لو أكره الجائر أحدا إما على قتل نفسه وإما على قتل غيره. وقد انجلى الصبح، وانكشف الظلام، وظهر الفارق بين التقية والاكراه موضوعا وحكما، والله العالم بالحقائق والاسرار.
[١] سورة المائدة آية: ٤٩ قوله تعالى (وكتبنا عليهتم فيها أن النفس بالنفس).