كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤١٢
وإذا عرفت ذلك فقد اتضح لك الحال في الاقوال الصادرة عن الائمة " ع " في مقام التقية، فانا لو حملناها على الكذب السائغ لحفظ انفسهم واصحابهم لم يكن بذلك بأس، مع أنه يمكن حملها على التورية أيضا كما سيأتي. وبذلك يتجلى لك افتضاح الناصبي المتعصب إمام المشككين، حيث لهج بما لم يلهج به البشر، وقال في خاتمة محصل الافكار حاكيا عن الزنديق سليمان بن جرير: إن أئمة الرافضة وضعوا القول بالتقية لئلا يظفر معها أحد عليهم، فانهم كلما (أرادوا شيئا تكلموا به فإذا قيل لهم هذا خطأ أو ظهر لهم بطلانه قالوا: إنما قلناه تقية). على أن التفوه بذلك افتراء على الائمة الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قال الله تعالى [١]: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون). قوله: (الاقوال الصادرة عن أئمتنا في مقام التقية). أقول: حاصل مراده ان ما صدر عن الائمة " ع " تقية في بيان الاحكام وإن جاز حمله على الكذب الجائز حفظا لانفسهم واصحابهم عن الهلاك. ولكن المناسب لكلامهم والاليق بشأنهم حمله على إرادة خلاف ظاهره من دون نصب قرينة على المراد الجدي، كأن يراد من قولهم [٢]: لا باس بالصلاة في ثوب اصابه خمر جواز الصلاة في الثوب المذكور مع تعذر غسله والاضطرار إلى لبسه. ويؤيده تصريحهم " ع " بارادة المحامل البعيدة في بعض المقامات، ففي رواية عمار عن أبي عبد الله " ع " [٣]: (فقال له رجل: ما تقول في النوافل؟ قال: فريضة، قال: ففزعنا وفزع الرجل فقال أبو عبد الله: إنما أعني صلاة الليل على رسول الله " ص "). وفيه أنك قد عرفت آنفا عدم استقلال العقل بقبح الكذب في جميع الموارد، وإنما هو تابع للدليل الشرعي، وعليه فمهما حرمه الشارع يكشف منه أنه قبيح، ومهما ورد الدليل على جوازه يكشف منه أنه ليس بقبيح. وحينئذ فالكذب الجائز والتورية سواء في الاباحة ولا ترجيح لحمل الاخبار الموافقة للتقية على الثاني. قوله: (ومن هنا يعلم أنه إذا دار الامر في بعض المواضع الخ). أقول: ملخص كلامه: أنه إذا ورد عن الائمة " ع " أمر وترددنا بين أن نحمله على الوجوب بداعي التقية
[١] سورة النحل، آية: ١٠٧.
[٢] راجع ج ١ ئل باب ٣٨ نجاسة الخمر من أبواب النجاسات ص ٢٠٠.
[٣] راجع ج ١ ئل باب ١٦ جواز ترك النوافل من أبواب أعداد الفرائض والنوافل ص ٢٢٠. وج ٥ الوافي ص ٢٠.