كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٠٩
بعدم اعتبار العجز عنها، بل في كلام بعضهم دعوى الاتفاق عليه. وقد أورد المصنف على ذلك بأن المكره على البيع انما اكره على التلفظ بصيغة البيع، ولم يكره على حقيقته، فالاكراه على البيع الحقيقي يختص بغير القادر على التورية، كما ان الاضطرار على الكذب مختص بالعاجز عنها، وعليه فإذا أكره على البيع فلم يورمع قدرته على التورية فقد أوجد البيع بارادته واختياره، فيكون صحيحا. وأجاب عن هذا الايراد بوجود الفارق بين المقامين، وحاصله: أن ما أكره عليه في باب المعاملات إنما هو نفس المعاملة وواقعها، والاخبار الدالة على رفع ما استكره عليه كحديث الرفع ونحوه لم تقيد ذلك بعدم القدرة على التورية، فإذا أوجد المكره المعاملة فقد أوجد نفس ما أكره عليه، ويرتفع أثره بالاكراه. وهذا بخلاف الكذب، فانه لا يجوز إلا في مورد الاضطرار، ومن المعلوم ان الاضطرار لا يتحقق مع التمكن من التورية. وفيه أولا: أنه لا فارق بين الاكراه والاضطرار، لان الاكراه في اللغة حمل المكره على امر وإجباره عليه من غير رضى منه، ولا شبهة في أن هذا المعنى لا يتحقق إذا أمكن التفصي، كما هو الحال في الاضطرار. وثانيا: أنا لو لم نعتبر في مفهوم الاكراه ان لا يتمكن المكره من التفصي فان لازم ذلك جواز ارتكاب المحرمات إذا اكره عليها وإن ان قادرا على التخلص، كما إذا أكرهه أحد على شرب الخمر، وكان متمكنا من هراقتها على جيبه. وكما إذا أكرهه جائر على أخذ أموال الناس بالظلم والعدوان، وكان متمكنا من أن يدفع مال الظالم إليه، ويوهمه أنه إنما يعطيه من مال غيره، ولا شبهة في حرمة الارتكاب في أمثال هذه الصورة. هذا كله بناء على المشهور، كما نسبه المصنف إلى ظاهرهم من تقييد جواز الكذب بعدم القدرة على التورية والتحقيق أن يفصل بين الاحكام التكليفية وبين الاحكام الوضعية في باب المعاملات العقود منها والايقاعات. أما الاحكام التكليفية وجوبية كانت أم تحريمية فان تنجزها على المكلفين، ووصولها إلى مرتبة الفعلية لتبعثهم على الاطاعة والامتثال مشروطة بالقدرة العقلية والشرعية، واختلاف الدواعي في ترك الواجبات وارتكاب المحرمات لا يؤثر في تبديلها أو في رفعها بوجه. ومثال ذلك: أن شرب الخمر مع التمكن من تركه حرام وإن كان شربه بداعي رفع العطش أو غيره من الدواعي عدا الاسكار، كما ان المناط في رفع الاحكام التكليفية هو عدم القدرة على الامتثال ولو بالتورية ونحوها. مثلا إذا أكره الجائر أحدا على شرب الخمر ولم يتمكن المجبور من تركه بالتورية أو بطريق آخر، فان الحرمة ترتفع بحديث الرفع