كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٩٨
بجملة مشتملة على هيئة خاصة تفي بمراده وأداء دعواه في مقام المحادثة والمحاورة، وهذه الجهة: أعني إبراز المقاصد النفسانية بمظهر إنما هي في مرحلة دلالة اللفظ على معناه الموضوع له، فيشترك فيها جميع الجمل خبرية كانت أم إنشائية، بل يشترك فيها جميع الالفاظ الموضوعة مفردة كانت أم مركبة. والوجه فيه ان دلالة اللفظ على معناه بحسب العلقة الوضعية أمر ضروري، فلا يعقل الانفكاك بينهما في مرحلة الاستعمال إلا بانسلاخ اللفظ عن معناه بالقرائن الخارجية. وهذه الدعاوي النفسانية على قسمين: الاول: ان تكون أمرا اعتباريا محضا وقائما بنفس المعتبر: بأن يعتبر في نفسه شيئا ثم يظهره في الخارج بمبرز من لفظ أو غيره من دون قصد للحكاية عن شئ، وهذا يسمى إنشاء، ولا يتصف بالصدق والكذب وجه، لانه شئ يقوم بالاعتبار الساذج كما عرفت. الثاني: ان تكون حاكية عن شئ آخر، سواء كانهذا المحكي من القضايا الخارجية كقيام زيد في الخارج أم من الاوصاف النفسانية كالعلم والشجاعة والسخاوة ونحوها، وهذه الحكاية إن طابقت للواقع المحكي اتصفت الدعاوي المذكورة بالصدق، وإلا فهي كاذبة وأما اتصاف الجمل الخبرية بهما فمن قبيل اتصاف الشئ بحال متعلقه، كرجل منيع جاره ومؤدب خدامه، ورحب فناؤه. فتحصل من جميع ما ذكرناه ان المراد من المطابق (بالكسر) هو مراد المتكلم: أي الدعاوي النفسانية، لا ظهور كلامه كما توهم، وان المراد من المطابق (بالفتح) هو الواقع ونفس الامر المحكي بالدعاوي النفسانية. وإذا عرفت ما تلوناه عليك فنقول: لا شبهة في خروج التورية عن الكذب موضوعا فانها في اللغة [١] بمعنى الستر، فكأن المتكلم وارى مراده عن المخاطب باظهار غيره، وخيل إليه انه اراد ظاهر كلامه، وقد عرفت آنفا ان الكذب هو مخالفة الدعاوي النفسانية للواقع، لا مخالفة ظاهر الكلام له، ويتفرع على هذا ان جواز التورية لا يختص بمورد الاضطرار ونحوه، لانها ليست من مستثنيات الكذب، بل هي خارجة عنه موضوعا، ومن هنا ذهب الاصحاب " فيما سيأتي من جواز الكذب عند الضرورة " إلى وجوب التورية مع التمكن منها، وعللوا ذلك بتمكن المتكلم مما يخرج به كلامه عن الكذب. ثم إن الكلام الذي يورى به قد يكون ظاهرا في بيان مراد المتكلم، ولكن المخاطب
[١] في مجمع البحرين: وريت الخبر بالتشديد تورية إذا سترته واظهرت غيره، حيث يكون للفظ معنيان احدهما اشيع من الآخر وتنطق به وتريد الخفى.