كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣١٩
الجيف في الآخرة كما في بعض الروايات [١] أو لتشبيه بالسباع والكلاب، أو لكون حرمة الغيبة كحرمة أكل الميتة، بل أعظم، كما في رواية العسكري " ع " [٢]. وقد شبه عرض المؤمن باللحم، فانه ينتقص بالهتك، كما ينتقص اللحم بالاكل. وشبه الاغتياب بالاكل، لحصول الالتذاذ بهما، ووصف المؤمن بأنه أخ، فان المؤمنين إخوة، ومن طبيعة الاخوة أن يكون بينهم تحابب وتوادد. وشبه المغتاب (بالفتح) بالميت، لعدم حضوره في أكثر حالات الاغتياب. وصدر سبحانه وتعالى الجملة بالاستفهام الانكاري إشعارا للفاعل بأن هذا العمل يقبح أن يصدر من أحد، إذ كما لا يحب أحد أن يأكل لحم أخيه الميت، لاشمئزاز طبعه عنه، وشدة رأفته به. وكذلك لا بد وأن يشمئز عقله عن الغيبة، لكونها هتكا لعرض أخيه المؤمن. وقد استدل على حرمة الغيبة بآيات أخر، ولكن لا دلالة في شئ منها على ذلك إلا بالقرائن الخارجية، فلا يكون الاستدلال بها بالآيات، بل بتلك الامور الخارجية. منها قوله تعالى [٣]: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول). وفيه أولا انه ليس في الآية ما يدل على أن الغيبة من الجهر بالسوء إلا بالقرائن الخارجية. وثانيا: لا يستفاد منها التحريم، فان عدم المحبوبية أعم منه ومن الكراهة المصطلحة. ومنها قوله تعالى [٤]: (ويل لكل همزة لمزة). وفيه أن الهمزة واللمزة بمعنى كثير الطعن على غيره بغير حق، سواء كان في الغياب أم في الحضور. وسواء كان باللسان أم بغيره، وسيأتي أن الغيبة عبارة عن إظهار ما ستره الله. وبين العنوانين عموم من وجه. ومنها قوله تعالى [٥]: (إن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة ف ي الذين آمنوا لهم عذاب أليم). وفيه أن الآية تدل على أن حب شيوع الفاحشة من المحرمات. وقد أوعد الله
[١] في ج ٢ المستدرك ص ١٠٧: عن القطب الراوندي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه نظر في النار ليلة الاسراء فإذا قوم يأكلون الجيف فقال: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس مرسلة.
[٢] في ج ٢ المستدرك ص ١٠٥: عن الامام ابي محمد العسكري " ع " في تفسيره: اعلموا ان غيبتكم لاخيكم المؤمن من شيعة آل محمد " ع " أعظم في التحريم من الميتة قال الله: (ولا يغتب) الآية. أقول: لم يثبت لنا اعتبار هذا التفسير.
[٣] سورة النساء آية: ١٤٧.
[٤] سورة الهمزة آية: ١.
[٥] سورة النور آية: ١٨.