كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٨٩
من دون ان يكون له واقعية، فاستحداث الامور الخارقة للعادة ليس من السحر، ولو تمكن احد من إحداث الامور الغريبة بواسطة القوة النفسانية الحاصلة بالرياضة، أو بصرف المقدمات فلا يقال له: إنه ساحر، بل لا دليل على حرمته، فان هذا شعار أهل الكرامة. نعم لا شبهة في كفر الفرق المذكورة، كما اعترف به المجلسي (ره) حتى الفرقة الثالثة القائلة: بتفويض أمر العالم إلى الكواكب، فان قولهم هذا مخالف لضرورة الدين، فان الله هو الذي يحيي ويميت، ويهب لمن يشاء ذكورا، ويهب لمن يشاء إناثا، ويصور في الارحام كيف يشاء. النوع الثاني: سحر أصحاب الاوهام والنفوس القوية، فقد ثبت بالوجوه العديدة امكان تسلط النفوس على جوارح الغير وأعضائه، فتسخره للقيام بحرمات وتادية أعمال على غير إرادة منه، ومن دون وساطة شئ آخر. وهذه النفوس قد تكون لرياضتها قوية صافية عن الكدورات البدنية، فتستغني في تأثيرها عن الاستعانة بأدوات من خارجها، وتصدر عنها الامور الغريبة الخارقة للعادة، وقد تكون ضعيفة وممزوجة بأوساخ المواد، فتحتاج في إتمام تأثيرها إلى الاستعانة بأدوات سحرية اخرى، انتهى حاصل كلامه في النوع الثاني. أقول: لا شبهة أن بعض النفوس لصفائها بالرياضات تؤثر في الامور التكوينية، وتصرفها عن وجهها صرفا حقيقيا، كإيقاف الماشي عن المشي، والمياه الجارية عن الجريان، بل قيل إن هذا المعنى مكنون في الاسد بحسب الغريزة والطبيعة، فانه إذا نظر إلى حيوان أوقفه عن المشي والحركة، إلا أنه لا دليل على حرمته بعنوان الاولى ما لم يترتب عليه شئ من العناوين المحرمة، بل نمنع عن صدق السحر عليه، وإنما هو نحو من الكرامة إن كان بطريق حق، ومن الكفر أو الفسق إن كان بطريق الباطل. ولا نظن أن يتوهم احد أن تصفية النفس بالرياضات الحقة حتى تصير مؤثرة في الامور التكوينية من المحرمات، بل هو مطلوب في الشريعة المقدسة إذا كان بالاطاعة والتقوى، ومن المعروف المشهور أن سلمان رضى الله عنه قد وصل بمجاهداته وتقواه وعظيم طاعته لمولاه إلى حد أن انقادت الامور التكوينية لارادته والتزمت فرض طاعته. النوع الثالث: من السحر الاستعالنة بالارواح الارضية، واعلم ان القول بوجود الجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة. وأما أكابر الفلاسفة فانهم لم ينكروا القول بوجود الجن، ولكنهم سموها بالارواح الارضية. وهي بأنفسها مختلفة الاصناف، فان منها خيرة ومنها شريرة. وقد شاهد أهل الصنعة