كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٨٨
وأما الشعوذة فسيأتي انها عبارة عن الخفة في اليد والسرعة في الحركة المعبر عنها في لغة الفارس بكلمة (تردستي وتند كاري) فان المشعوذ الحاذق يفعل الامور العادية، والافعال المتعارفة بتمام السرعة، بحيث يشغل اذهان الناظرين بأشياء، ويأخذ حواسهم إليها، ثم يعمل شيئا آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه، ويتعجبون منه ولكن الصادر منه أمر واقعي، كأخذ الاشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامة حتى يتخيل الناظر إليها انها انتقلت بنفسها، فالنقل والانتقال امر حقيقي، ولكن الناظر لا يلتفت إلى الناقل، وهذا بخلاف السحر، فانه أمر خيالي محض كما عرفت التنبيه عليه ومن هنا اتضح الفرق بين الشعوذة والمعجزة ايضا. واما ما ذكره الاصحاب من بيان حقيقه السحر واسبابه واقسامه فكلها تقريبية، فان انطبق على ما ذكرناه فهو، وإلا فيرد إلى قائله، وهو اعرف بمقاله. أقسام السحر ولا بأس بالتعرض لما ذكره الاصحاب من اقسام السحر ليعلم هل انها مشمولة لما دل على حرمة السحر أم لا؟ وقد تكلم عليها العلامة المجلسي في البحار [١] واطال الكلام فيها موضوعا وحكما، نقضا وإبراما. وحاصل كلامه في تحقيق اقسام السحر: انه على انواع شتى، النوع الاول: سخر الكذابين (أو الكدانيين) الذين كانوا من قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب، ويزعمون كونها مدبرة للعالم السفلي، ومبادي لصدور الخيرات والشرور، وقد بعث الله ابراهيم " ع " مبطلا لمقالتهم وهدم اساس مذهبهم، وهم على فرق ثلاث: فان منهم من يزعم ان الكواكب هي الواجبة الخالقة للعالم، ومنهم من يزعم انها قديمة لقدم العلة المؤثرة فيها، ومنهم من يزعم انها حادثة مخلوقة، ولكنها فعالة مختارة فوض خالقها أمر العالم إليها. والساحر من هذه الفرق الثلاثة من يعرف القوى العالية الفعالة: بسائطها ومركباتها، ويعرف ما يليق بالعالم السفلي وحوادثه، ويعرف معدات هذه الحوادث ليعدها، وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية، فيكون متمكنا من استحداث ما يخرق العادة. انتهى ملخص كلام المجلسي في النوع الاول. أقول: قد عرفت ان السحر هو صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخديعة والتمويه
[١] راجع ج ١٤ ص ٢٥١.