كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٨٧
ومن هنا أيضا اطلق السحر على البيان الجيد [١] بلحاظ المدح والذم، فانه يصرف حواس الحاضرين وآذان السامعين إلى المتكلم. وبهذا الاعتبار أيضا اطلق السحر على تمويه الفضة بالذهب. وعلى الجملة إن الناظر إلى كلمات أهل اللغة وموارد الاستعمال يقطع بأن السحر ليست له حقيقة واقعية، وإنما هو ما ذكرناه، ومن جميع ما تقدم ظهر ما هو المراد من الاخبار المتظافرة الدالة على حرمة السحر وقد ذكرنا بعضها في الهامش. وأما ما ذكره في القاموس من أن السحر ما لطف مأخذه ودق فانه وإن انطبق على ما ذكرناه، لان صرف الشئ عن وجهه على سبيل التمويه له مأخذ دقيق جدا، إلا أنه تعريف بالاعم، فان الامور التي يلطف مأخذها وهي ليست من السحر في شئ كثيرة جدا، كالقوى الكهربائية، والراديوات، والطائرات، وبعض اقسام ادوات الحرب، وغير ذلك مما لا يعرفه اكثر الناس، خصوصا الصناعات المستحدثة. وقد ظهر مما ذكرناه الفرق بين السحر وبين المعجزة والشعوذة، فانك قد عرفت في البحث عن حرمة التصوير [٢] إجمالا أن الاعجاز أمر حقيقي له واقعية، إلا أنه غير جار على السير الطبيعي، بل هو أمر دفعي خارق للعادة، واما المقدمات الطبيعية فكلها مطوية فيه، كجعل الحبوب اشجارا وزروعا، والاحجار لؤلؤا ويواقيت دفعة واحدة، ومنه صيرورة عضا موسى " ع " ثعبانا، وصيرورة الاسد المنقوش على البساط حيوانا مفترسا بأمر الامام عليه السلام في مجلس الخليفة، وقد تقدم ذلك في المبحث المذكور، واما السحر فقد عرفت انه ليست لها حقيقة واقعية اصلا.
[١] في لسان العرب: السحر البيان في فطنة، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ان قال: إن من البيان لسحرا. قال أبو عبيدة: كان المعنى انه يبلغ من ثنائه انه يمدح الانسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر فكأنه قد سحر السامعين بذلك. وفي ج ١٤ البحار ص ٢٥١ ذكر الحديث ثم قال ما حاصله: وسمى النبي صلى الله عليه وآله بعض البيان سحرا لوجهين: الاول: انه لدقته ولطفه يستميل القلوب إلى المتكلم. والثاني: أن المتقدر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا وتقبيح ما يكون حسنا، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه.
[٢] ص ٢٢٧.