كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٨٦
والوجه في ذلك ان السحر عمل خفي يحصل بالاسباب الخفية، ويصور الشئ على خلاف صورته الواقعية، ويصرفه عن وجهه بالخدعة والتمويه، ويقلبه من جنسه في الظاهر، لا في الحقيقة، بحيث إن الساحر يسحر الناظرين حتى يتخيلوا انه يتصرف في الامور التكوينية، ويغيرها عن حقيقتها إلى حقيقة اخرى، فيريهم البر بحرا عجاجا تجري فيه السفن وتتلاطم فيه الامواج، من غير ان يلتفتوا إلى كونه خدعة وتمويها، وإظهارا للباطل بصورة الحق وقصة السحرة مع موسى " ع " مذكورة في القرآن [١] حين القوا (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى). لا يقال: قد تكون للسحر حقيقة واقعية كالتصرف في عقل المسحور أو بدنه، أو ما يرجع إليه، وعليه فلا يتم تعريفه المذكور. فانه يقال: ليست للسحر حقيقة واقعية، ولكن قد يترتب عليه أمر واقعي، فقد يظهر الساحر للمسحور شيئا مهولا، فيخاف هذا ويصبح مجنونا، أو يريه بحرا وفيه سفينة جارية، فيحاول المسحور ان يركبها فيقع من شاهق ويموت، فان الجنون والموت وإن كانا من الامور الواقعية، إلا انهما ترتبا على الامر التخيلي الذي هو السحر، ويقرب ما ذكرناه ما عن صاحب العين من أنه (يقلب الشئ من جنسه في الظاهر، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة). وقد اشير إلى ما ذكرناه في خبر الاحتجاج [٢] حيث سئل الامام عليه السلام عن الساحر أيقلب الواقع إلى واقع آخر؟ فقال " ع ": هو اضعف من ذلك. وعلى ما ذكرناه من المعنى قد استعملت كلمة السحر في مواضع شتى من الكتاب العزيز [٣] وأطلق المشركون صفة الساحر على النبي الصادق المصدق، فقد زعموا أن محمدا صلى الله عليه وآله يظهر الباطل بصورة الحق بكلمات فصيحة وخطب بليغة حتى يسحر بها أعين الناظرين وقلوبهم،
[١] سورة طه آية: ٦٩.
[٢] في الاحتجاج ص ١٨٥ وج ٤ البحار ص ١٣٠ في احتجاج الصادق " ع " على الزنديق قال لع: أفيقدر الساحر أن يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك؟ قال " ع ": هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق الله إن من أبطل ما ركبه الله وصوره وغيره فهو شريك الله في خلقه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة الحديث. مرسل.
[٣] في مفردات الراغب نحن قوم مسحورون، اي مصروفون. وفي لسان العرب فأنى تسحرون اي تصرفون. وفي مجمع البحرين: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، اي مصروفا عن الحق. وغير ذلك من الموارد.