كتاب المساقاة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٦٤
ووجه الدلالة انه تعالى نهى عن الادلاء بالمال إلى الحكام لابطال الحق وإقامة الباطل حتى يأكلوا بذلك فريقا من اموال الناس بالاثم والعدوان، وهذا هو معنى الرشوة، وإذا حرم الاعطاء حرم الاخذ ايضا، للملازمة بينهما. لا يقال: إن الآية إنما نزلت في خصوص اموال اليتامى والوديعة والمال المتنازع فيه، وقد نهى الله تعالى فيها عن إعطاء مقدار من تلك الاموال للقضاة والحكام لاكل البقية بالاثم والعدوان، وعلى هذا فهي أجنبية عن الرشوة. فانه يقال: نعم قد فسرت الآية الشريفة بكل واحدة من الامور المذكورة [١] إلا أن هذه التفاسير من قبيل بيان المصداق، والقرآن لا يختص بطائفة، ولا بمصداق، بل يجري كجري الشمس والقمر، كما دلت عليه جملة من الروايات، وقد ذكرناها في مقدمة التفسير على أن في مجمع البحرين عن الصحاح إن قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام) يعني الرشوة وقد يتوهم ان الآية ليست لها تعرض لحكم الرشوة، فان قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام) ظاهر في ان المحرم هو الادلاء بأموال الناس إلى الحكام ليستعين بهؤلاء على أكل فريق آخر من أموال الناس بالاثم، وم المعلوم ان الرشوة هي ما يعطيها الراشي من مال نفسه لابطال حق أو إحقاق باطل. وفيه أولا: ان الرشوة في العرف واللغة أعم من ذلك، كما تقدم، فلا وجه للتخصيص بقسم خاص. وثانيا: انه لا ظهور في الآية المباركة في كون المدفوع إلى الحكام مال الغير، بل هي أعم من ذلك، أو ظاهرة في كون المدفوع مال المعطي. ومجمل القول ان حرمة الرشوة في الجملة من ضروريات الدين، ومما قام عليه إجماع المسلمين، فلا حاجة إلى الاستدلال عليها. ثم ان تفصيل الكلام في احكام الرشوة ان القاضي قد يأخذ الرشوة من شخص ليحكم له بالباطل مع العلم ببطلان الحكم، وقد يأخذها ليحكم للباذل مع جهله، سواء طابق حكمه الواقع أم لم يطابق، وقد يأخذها ليحكم له بالحق مع العلم والهدى من الله تعالى. اما الصورتان الاوليان فلا شبهة في حرمتهما، فان الحكم بالباطل، والافتاء والقضاء مع الجهل بالمطابقة للواقع محرمان بضرورة الدين وإجماع المسلمين، بل هما من الجرائم
[١] في ج ١ تفسير التبيان ص ٢٠٨ قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام). وقيل في معناه قولان، احدهما: قال ابن عباس والحسن وقتادة: إنه الوديعة وما تقوم به بينة. الثاني: قال الجبائي في مال اليتيم الذي في يد الاوصياء. وفي مجمع البحرين عن الصحاح (وتدلوا بها إلى الحكام): يعني الرشوة.